السبت - 20 يونيو 2026

رسالة لم تصل إلى لميعة العراق

منذ 5 سنوات
السبت - 20 يونيو 2026


طالب الأحمد ||

ايتها الآيقونة المترفة بضياء الشعر ..لكم تمنيت أن تصلك رسالتي هذه قبل أن تغادرينا إلى العالم السرمدي.. ليس بوسعي الآن أن أمحو ما كتبه حبر القلب..دعيني إذن أواصل الكتابة إليكِ وأذرف كلماتي على ورق “العالم”، فكم من قمر غاب “وأكمل الشعراء دورته على ورق الصحيفة”.
منذ شهور كنت أتابع وضعك الصحي المتدهور وأُمني النفس بأن معجزة ستحصل ويعود إليك الألق والحبور حتى وأنتِ تجتازين سن الثانية والتسعين.. أعلم كم عانيت يالميعة وأنت تحلمين بالعبور في آخر العمر على الجسر المعلق ..أعلم كم عانيت من شغفك بالسماء الأولى، ومن التوق لمعانقة نهر دجلة مرة أخرى..أعلم أن قلبك المسكون بحب العراق أرهقه الحنين لماضٍ لن يعود ..وأعلم يالميعة أن آخر ما يراه المحتضر مرابع طفولته وصباه وكأن الحياة كلها ليست سوى سويعات مرت سريعاً.
كنت أريد للعراق أن يرد لكِ الجميل، وأن يبتهل من أقصاه إلى أقصاه لأجل شفاؤكِ.. أطلقتُ من على مواقع التواصل الاجتماعي حملة للدعاء والصلوات من أجلكِ..وتحدثت مع أكثر من مسؤول في الدولة العراقية عن ضرورة الإهتمام بنخلة الشعر الأخيرة وتكريمها ومتابعة وضعها في المهجر..ولكن لا مجيب للنداء، ثم سرعان ما خبا ضياء النادي وتهشمت آنية الأزهار في هذا التيه..
“لو أنبأني العرّاف
إني سألاقيكَ بهذا التيه
لم أبكِ لشيءٍ في الدنيا
وجمعتُ دموعي
كلُّ الدمعٍ
ليوم قد تهجرني فيه”
ليس بوسعي استيعاب رحيل الشعراء..وهل يرحل الشعراء حقا؟!..
بالأمس حين عبرت الجسر المعلق في بغداد، تذكرت قصيدتك الرائعة في رثاء الجسر عندما حطمته الغرابيب السود:
( ياجسر المعلق ..يا أحلى جسر..
يحزام دجلة ايلالي حدره الماي ويوجّ العصر
يمصافح الصوبين ما مل الرصافة الكرخ
من وكت الزغر
ظلعي احسه المنكسر … موش الجسر
يا جسر المعلق … ويا أحلى جسر)
تأملت النهر من نافذة سيارتي..ورأيته شاحبا.. حزينا.. كأنه يسير وحيداً في جنازتك بلا نوارس ..بلا زهور..
وحين رأيت الحرس ودروعهم عند مداخل الجسر ..راودني إحساس مخيف بأن الحروب لا زالت تتناسل في رحم بلادي….وأن الجسور كلها تتحطم، فبا الله عليك يا لميعة.. كيف يولد الأمل بالعبور إلى بر الأمان؟!.
لن اقول وداعاً يا لميعة العراق..وسأظل أكتب إليكِ..
قد لاتصل لكِ رسائلي ، ولكنها ستصل بالتأكيد لكل المخلصين التواقين إلى أن يستعيد البلد الحبيب ألقه الحضاري والثقافي..إلى كل الذين يريدون للعراق أن يبقى للأبد بلد الشعر والجمال والفنون..وهذا هو عزاؤنا في عروج الشعراء إلى الملكوت.