وجوه الحرب الخمسة: كيف يراها القائد والجندي والسياسي والمواطن والمتفرج؟!
اللواء القاضي الدكتور/ حسن حسين محمد الرصابي ||

ليست الحرب مجرد ظاهرة عسكرية تُقرأ في المجلدات، ولا خططاً تُحرّك على أدراج المكاتب؛ بل هي ملحمة حية يعيشها المرء لحظة بلحظة، وتنحفر آثارها في الوجدان الإنساني. وحين تُعايَش الحرب في خطوط المواجهة الأولى، تحت هدير النيران وغبار الساحات، تنجلي الحقائق مجردة من كل مساحيق التجميل. إن للحرب وجوهاً عدة، تختلف باختلاف موقع الإنسان منها، وزاويته التي يرصد من خلالها أهوالها وويلاتها.
أولاً: الحرب عند القائد.. ثقل الأمانة وميزان القرار
بالنسبة للقائد الميداني، ليست الحرب مغامرة أو نشوة قوة، بل هي أمانة ثقيلة ومسؤولية أخلاقية وتاريخية عظمى. القائد يرى في كل خريطة يُلقي عليها نظرته أرواح رجال يعتمدون على الله سبحانه ثم على حسن تقدير القائد للموقف، وعلى حسن اختيار التوقيت المناسب وتدبيره في اتخاذ القرار الصائب بعد الله. إنها معركة بين تحقيق الهدف الوطني وبين حماية أرواح الفرسان المرابطين على خط التماس المباشر. الحرب عند القائد هي امتحان للقدرات واليقظة والتوازن النفسي الصارم؛ حيث يُصنع القرار تحت لهيب النار، وبنائا على معلومات دقيقة وحيث يكون النصر مقروناً دائماً بالثبات والضمير الحاضر.
ثانياً: الحرب عند الجندي.. عقيدة الصمود والإيمان بعدالة الحرب والثقة بالقيادة ورفقة السلاح
في خطوط التماس، يلامس الجندي الحرب بواقعيتها المباشرة القاسية. هي عنده رائحة البارود، وأزيز الطيران وعصف الصواريخ وصوت المدافع، والوقوف الثابت في وجه المخاطر وضوضاء المعارك ومستجداتها والتصرف بعقلانية وحزم وعزم وإيمان وإخلاص واحترافية. لكنها في جوهرها الأصيل ميدان الشرف والعقيدة؛ حيث يتجلى الفداء بأبهى صوره. وفي أتون هذه المواجهة، تنشأ بين المرابطين رابطة إنسانية أعمق من كل المسميات، رابطة أخوة السلاح والدم، التي تمنح الجندي إرادة صلبة لا تنكسر، وتجعل من تضحيته جسراً لمعزة الوطن وكرامته.
ثالثاً: الحرب عند السياسي.. حسابات المصالح وأوراق الضغط
بعيداً عن خنادق الميدان، ينظر السياسي إلى الحرب بصفتها امتداداً لأدواته، مستحضراً المفهوم القائل بأن “الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى”. هي بالنسبة له ورقة تفاوضية على الطاولة، وميزان للقوة الجيوسياسية، ووسيلة لفرض الشروط عندما تعجز الأروقة الدبلوماسية. وفي كثير من الأحيان، يقرأ السياسي الحرب بلغة الأرقام والمكاسب، متجرداً من شجون الميدان وآلامه، إلا بالقدر الذي يخدم مسار الرؤية العامة.
رابعاً: الحرب عند المواطن.. لظى المعاناة ومعدن الثبات
أما المواطن البسيط الصامد في أرضه ومحيطه، فالحرب بالنسبة له هي الهمّ اليومي الثقيل الذي يطرق باب أسرته مع كل شروق وغروب. هي الخوف على المستقبل، والتحدي المرير لتأمين المقومات الأساسية للبقاء وسط ظروف بالغة القسوة. ومع كل هذه الويلات، تظل الحرب عند المواطن الشريف اختباراً حقيقياً لمعدنه الأصيل، وتجسيداً لصبرٍ يكسر رهانات العدوان، وإيمانٍ راسخ بأن الفرج والتمكين حليف الصابرين.
خامساً: الحرب عند المتفرج.. برود الشاشات وظلال التعاطف
على الضفة الأخرى، يقف المتفرج البعيد عن واقع الميدان؛ يتابع الأحداث عبر الشاشات ونشرات الأخبار. الحرب بالنسبة له مجرد مادة إعلامية، أو تحليلات سياسية، أو أرقام يتداولها في نقاشاته العابرة. ورغم ما قد يعتريه من تعاطف وجداني، إلا أنه يظل محروماً من إدراك المعنى الحقيقي لما يجري؛ فالفرجة من خلف الزجاج لا تمنح المرء حرارة الميدان، ولا تُشعره بثقل القطرة الواحدة من عرق المرابطين ودماء الشهداء.
خاتمة المطاف:
تظل الحرب في جوهرها اختباراً إنسانياً وأخلاقياً شاهداً على إرادة الشعوب. وحين تُدار بعقيدة وطنية صادقة من قبل قيادة تستشعر عظمة المسؤولية وجسامة الموقف، تتحول أهوالها وويلاتها إلى صخرة صلبة تتكسر عليها كل أطماع المعتدين وتكتلاتهم وتحالفاتهم..، لتُشرق من قلب أتونها شمس النصر والكرامة.



