هل تعود الحرب على الجمهورية الإسلامية الإيرانية؟ قراءة سياسية واستراتيجية..!
الشيخ أكبر علي الشحماني ||

مقدمة
يبقى احتمال عودة الحرب على الجمهورية الإسلامية الإيرانية من أبرز الملفات التي تشغل المنطقة، في ظل الصراع على النفوذ الإقليمي، والبرنامج النووي الإيراني، والعلاقة المتوترة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. لكن الإجابة عن سؤال: هل ستعود الحرب أم لا؟ لا يمكن أن تقوم على التوقعات وحدها، بل تحتاج إلى قراءة المؤشرات العسكرية والسياسية والدبلوماسية، ومصالح الأطراف المتصارعة، وكلفة المواجهة الشاملة.
الخلاصة الأولية: عودة الحرب احتمال قائم، لكنها ليست أمراً حتمياً. ويتوقف تقدير احتمالها على التطورات الميدانية والمفاوضات والقرارات التي تتخذها الأطراف المعنية. كما أن التهديدات السياسية والتحركات العسكرية لا تعني بالضرورة أن قرار الحرب قد اتُّخذ بالفعل.
أولاً: المؤشرات الحالية التي ترفع احتمال عودة الحرب
حتى 29 تشرين الأول/أكتوبر 2026، تشير التقارير المنشورة إلى أن خطر تجدد المواجهة العسكرية ما زال مرتفعاً. فقد أفادت وكالة أسوشيتد برس بأن مسؤولين أمريكيين حذّروا دولاً في المنطقة من احتمال شن ضربات جديدة على إيران بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في 3 تشرين الثاني، مع التأكيد أن الرئيس الأمريكي لم يتخذ قراراً نهائياً معلناً بهذا الشأن.
ومن أبرز المؤشرات:
· استمرار التهديدات العسكرية: الحديث عن ضربات جوية جديدة يزيد مخاطر التصعيد، لكنه لا يثبت أن موعد الهجوم قد حُسم.
· تعثر التسوية السياسية: الخلافات بشأن البرنامج النووي الإيراني ومضيق هرمز والعقوبات تجعل الوصول إلى اتفاق شامل أمراً صعباً.
· الاستعداد للرد: نقلت رويترز في 23 تشرين الأول تصريحات مسؤولين إيرانيين بشأن خطط لرد أوسع إذا استؤنفت الهجمات الأمريكية والإسرائيلية.
· التحركات الدبلوماسية: الاجتماعات الإقليمية والاتصالات عبر الوسطاء تشير إلى وجود محاولات لمنع توسع الحرب، حتى مع استمرار التهديدات.
ثانياً: ما الأسباب التي قد تدفع إلى عودة الحرب؟
هناك ثلاثة مسارات رئيسية يمكن أن تقود إلى تصعيد جديد:
1\. فشل المفاوضات: إذا بقيت الخلافات حول الملف النووي ومضيق هرمز والعقوبات بلا تسوية، فقد تلجأ واشنطن إلى استخدام القوة لفرض شروطها.
2\. وقوع حادث عسكري كبير: قد يؤدي استهداف قوات أمريكية أو إسرائيلية، أو وقوع خسائر بشرية كبيرة، إلى ردود متبادلة تتجاوز حدود المواجهة المحدودة.
3\. محاولة تغيير ميزان القوى: قد ترى بعض الأطراف أن الضغط العسكري سيجبر إيران على تقديم تنازلات استراتيجية، بينما قد ترى طهران أن التراجع تحت التهديد سيضعف موقفها الإقليمي.
لكن هذه المسارات تظل احتمالات تحليلية، وليست دليلاً على أن قرار الحرب اتُّخذ بصورة نهائية.
ثالثاً: هل تستطيع إيران مواجهة حرب جديدة؟
تمتلك إيران قدرات صاروخية وطائرات مسيّرة وقوات عسكرية، كما أن موقعها الجغرافي وسيطرتها على أوراق استراتيجية مرتبطة بمضيق هرمز يمنحانها وسائل للضغط والرد.
في المقابل، فإن استمرار الحرب قد يعرّض البنية التحتية والمنشآت العسكرية والاقتصاد الإيراني لأضرار كبيرة، وقد يؤدي إلى اتساع المواجهة لتشمل دولاً أخرى في الخليج.
لذلك، فإن قدرة إيران على الرد لا تعني أن الحرب ستكون سهلة أو أن نتائجها مضمونة لأي طرف. فالحروب الحديثة لا تُحسم بالقوة العسكرية وحدها، بل تتأثر أيضاً بالاقتصاد، والإمدادات، والتحالفات، والقدرة على تحمّل الخسائر.
رابعاً: هل يمكن منع الحرب؟
نعم، ما زالت هناك وسائل لتجنب تجدد المواجهة، وأهمها:
· التوصل إلى تفاهمات بشأن البرنامج النووي الإيراني والضمانات الأمنية.
· وقف الهجمات المتبادلة ومنع وقوع حوادث عسكرية جديدة.
· التوصل إلى ترتيبات بشأن الملاحة في مضيق هرمز.
· قيام دول إقليمية بدور الوساطة لمنع تحول الصراع إلى حرب أوسع.
وتكتسب التحركات الدبلوماسية أهمية خاصة لأنها تتيح للأطراف التوصل إلى تسوية تحفظ مصالحها من دون تحمّل تكاليف حرب طويلة.
خامساً: السيناريوهات المتوقعة
السيناريو الأول: تجدد الضربات العسكرية
خطر مرتفع
قد تعود الضربات الجوية إذا فشلت الوساطات وتصاعدت التهديدات، خصوصاً مع التقارير عن بحث خيارات عسكرية جديدة. لكن لا يمكن الجزم بموعدها أو بحتمية وقوعها.
السيناريو الثاني: حرب محدودة ثم تصعيد متبادل
قد تبدأ المواجهة بضربات محدودة تستهدف مواقع عسكرية أو استراتيجية، ثم تتوسع نتيجة الردود المتبادلة وسوء تقدير نوايا الخصم.
السيناريو الثالث: احتواء الأزمة بالتفاوض
يمكن للوساطات الإقليمية والدولية أن تمنع عودة القتال إذا وافقت الأطراف على تفاهمات قابلة للتنفيذ، حتى لو بقي الخلاف السياسي قائماً.
الخلاصة الاستراتيجية
إن السؤال الأهم ليس فقط: هل ستعود الحرب على الجمهورية الإسلامية الإيرانية؟ بل: هل ستعتبر الأطراف المتصارعة أن كلفة الحرب أقل من كلفة التسوية؟
المؤشرات المتاحة حتى 29 تشرين الأول 2026 تدعو إلى التعامل بجدية مع خطر تجدد الضربات، ولا سيما في ضوء التحذيرات الأمريكية والتحركات العسكرية. وفي الوقت نفسه، فإن استمرار الاتصالات الدبلوماسية يعني أن باب الاحتواء لم يُغلق تماماً.
والتقدير الأقرب هو أن خطر عودة الحرب حقيقي، لكن لا توجد أدلة كافية للجزم بأنها ستقع حتماً أو تحديد موعدها. وقد يكون الضغط العسكري وسيلة لدفع إيران إلى التفاوض، أو قد يتحول إلى مواجهة أوسع إذا فشلت الحسابات السياسية والعسكرية.
ومن منظور استراتيجي، فإن الأيام التالية لانتخابات التجديد النصفي الأمريكية في 3 تشرين الثاني 2026 تستحق المتابعة، لأنها وردت ضمن التقارير التي تناولت احتمال شن ضربات جديدة، من دون أن يعني ذلك أن الحرب ستبدأ فوراً بعدها.




