تحليل وقراءة لخطاب الشيخ نعيم قاسم.. ثبات الموقف، سقوط مشاريع الهيمنة، ووحدة مسار محور المقاومة..!
نبيل الجمل ||

يأتي خطاب الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، الذي ألقاه يوم الأربعاء 28 تشرين الأول/أكتوبر 2026، في توقيت إقليمي ومحلي بالغ الدقة والحساسية. فهو لا يقتصر على كونه قراءة تفصيلية للواقع الميداني والسياسي اللبناني فحسب، بل يمثل وثيقة استراتيجية متكاملة تعيد تثبيت قواعد الإشتباك، وتحدد بوصلة الصراع في مواجهة مشاريع الاستعمار والعدوان التي تستهدف المنطقة بأسرها، من فلسطين مروراً بلبنان واليمن وصولاً إلى إيران.
أولاً: سلاح المقاومة وسيادة لبنان.. لا مساومة تحت سقف الاحتلال
شكل الموقف من سلاح المقاومة الجوهر الصلب لخطاب الشيخ قاسم، إذ حسم الجدل قاطعاً الطريق أمام كل محاولات الابتزاز السياسي الداخلي والخارجي.
الشرعية والدستور:استند الشيخ قاسم إلى شرعية المقاومة المستمدة من حق الدفاع المشروع ومن روح اتفاق الطائف، مؤكداً أن هذا السلاح وُجد ليحمي الأرض، ولا يمكن طرحه للنقاش أو المساومة ما دام الاحتلال الإسرائيلي قائماً وعدوانه مستمراً.
رفض الوصاية الأمريكية:وجه الخطاب رسالة واضحة لا تقبل اللبس رفضاً قاطعاً للتدخلات والوصاية الأمريكية على مفاصل القرار اللبناني، معتبراً أن الوصاية لا تقل خطورة عن الاحتلال المباشر، وكلاهما وجهان لعملة واحدة تستهدف مصادرة السيادة الوطنية.
التكامل الداخلي:عكس التأكيد على متانة العلاقة مع حركة أمل والقوى الحليفة والجيش اللبناني حرص قيادة المقاومة على تحصين الجبهة الداخلية وقطع الطريق على أي محاولات لإثارة الفتنة، مع الإبقاء على باب الحوار مفتوحاً تحت سقف الثوابت الوطنية.
ثانياً: تهاوي المشروع الإسرائيلي وحتمية الهزيمة
رسم الأمين العام لحزب الله مشهداً تحليلياً دقيقاً لطبيعة الصراع مع الكيان الصهيوني، مببراً ذلك بمعادلة “أصحاب الأرض مقابل المحتل الغاصب”:
سقوط الأهداف:أشار الخطاب بيقين إلى أن كل المحاولات والحروب التوسعية الإسرائيلية اصطدمت بصخرة الصمود، وتدحرجت نحو الفشل الذريع، متحدثاً عن التخبط السياسي والاقتصادي الداخلي داخل الكيان، ومافرزه من أزمات انعكست بوضوح في نتائجه السياسية والانتخابية الأخيرة.
عدم الاكتراث بالوجوه السياسية:ببرود استراتيجي يحمل أعلى درجات الثقة، أكد الشيخ قاسم أن “لا فرق بين حكومة إسرائيلية وأخرى”، فالإشكالية تكمن في جوهر الاحتلال نفسه، والحل الوحيد أمامه هو الرحيل الكامل والخروج من الأراضي اللبنانية والفلسطينية بلا استثناء.
ثالثاً: ترابط ساحات المقاومة والدفاع عن محور الأحرار (إيران، اليمن، وفلسطين)
لم ينفصل الخطاب اللبناني يوماً عن نبض الأمة وقضاياها الكبرى، وقد تجلى ذلك بوضوح في الإشارات العميقة لساحات المواجهة الإقليمية:
العدوان الأمريكي على إيران والصمود التاريخي:أشاد الشيخ قاسم بالدور الاستراتيجي والصمود الأسطوري للشعب الإيراني والقيادة الشجاعة، مؤكداً أن هذا الثبات أبطد وأفشل المخططات الأمريكية والإسرائيلية الرامية لإسقاط النظام الإسلامي أو تمزيق البلد، مما يؤكد فشل سياسة الضغوط القصوى والعدوان المستمر.
التضامن مع قضايا الأمة (فلسطين واليمن):يترجم الخطاب وفاءً مطلقاً للنزيف المستمر في فلسطين تحت وطأة الإبادة والاعتداءات المتواصلة، ويتقاطع ضمنياً مع وحدة الموقف الإقليمي المساند للشعب اليمني العزيز الذي يتعرض لعدوان وحصار مستمر من السعودية وحلفائها؛ إذ يرى محور المقاومة أن العدوان على اليمن وفلسطين ولبنان وإيران هو عدوان واحد بآدوات متعددة، وأن المعركة واحدة والمصير مشترك.
خاتمة وقراءة استشرافية
يؤكد خطاب الشيخ قاسم في 28 أكتوبر 2026 أن قيادة المقاومة تحكمها حكمة بالغة وبصيرة نافذة؛ فهي من جهة منفتحة على معالجة الشؤون الداخلية اللبنانية بحكمة واقتدار لحماية السلم الأهلي ودعم الجيش وإعادة الإعمار، ومن جهة أخرى تقف بصلابة لا تهتز أمام مشاريع الاستكبار العالمي والعدوان الإسرائيلي-الأمريكي. إنها رسالة تطمين لجمهور الأحرار بأن دماء الشهداء وتضحيات الشعوب في لبنان وفلسطين واليمن وإيران لم تذهب هدرًا، بل هي ترسم ملامح الشرق الأوسط الجديد القائم على سيادة أبنائه لا على وصاية المستعمرين.




