الخميس - 29 اكتوبر 2026
منذ ساعتين
الخميس - 29 اكتوبر 2026

الشيخ مازن الولائي ||

 

 

 

من عقلي إلى قلبي…

يا أيها القلب الطيب، الطريّ، الشغوف، سريع التصديق، وأسرع منه انطفاءً بعد الحريق!

ماذا الآن؟ وإلى أين نمضي بعد كل هذا الذي جرى؟

أنا الذي أطْمَعْتُكَ صدقًا وإخلاصًا، وجعلتُ لك من الوفاء ذهبًا، ومن المحبة زمردًا، ومن العهد عقيقًا. أنا الذي كنت أريد لك من الناس صفاءهم، ومن العلاقات نقاءها، ومن الوعود صدقها، حتى كدتُ أُقنع نفسي بأن العالم لا يزال بخير، وأن القلوب، مهما قست، لا بد أن تحتفظ بشيء من طينتها الأولى.

أتذكر يوم قلت لك: احذر، فليس كل ما يلمع ذهبًا، وليس كل من ابتسم لك يحمل في قلبه وُدًّا؟

أتذكر حين أخبرتك أن الغش لم يعد حرفةً يمارسها بعضهم في الخفاء، بل صار عند كثيرين صناعةً متقنة، وفنًّا في تزيين المثالب، وتغليف العيوب بألوان زاهية، حتى يغدو القبيح في عينيك جميلًا، والزائف في ميزانك أصيلًا، والخطر الذي ينبغي أن تهرب منه بابًا تظن أن وراءه خلاصك؟

أتذكر كل تلك الأسلاك الشائكة التي نصبتُها في طريقك، وكل العراقيل التي وضعتها أمام اندفاعك؟ كنتَ تقف عندها، وترمقني بعينيك، وكأنك تسألني: لِمَ تمنعني عمّن أحببت؟ ثم لا تلبث أن تزهد بي، وتنصرف عن نصحي، وتميل إلى من استهواك بريقه، بينما أبقى أنا أدور خلفك، أحرسك من بعيد، وأحاول أن أضع في طريقك إنسانًا مخلصًا، أو موقفًا يكشف لك الحقيقة، أو تجربةً تعيدك إلى رشدك.

وكنتَ، في كل مرة، تظن أنني أضيّق عليك الطريق، ولم تكن تعلم أنني كنت أحاول إنقاذك من هاويةٍ تزيّنت لك في هيئة بستان!

يا قلبي، كم مرةً خذلتَ بصيرتي من أجل لحظةٍ من عاطفتك؟ وكم مرةً جعلتَ من حسن ظنك بالآخرين حُكمًا ببراءتهم، ومن حاجتك إلى الحنان دليلًا على صدق من يمنحك إياه؟ لقد كنتَ تخلط بين من يُحسن مخاطبتك ومن يُحسن معاملتك، وبين من يعرف كيف يستدرج مشاعرك ومن يستحق أن تأمنه على روحك.

وما كلُّ من أتقن الوصول إلى قلبك، كان أهلًا للبقاء فيه.

والآن، تعال… فقد آن أوان الحساب؛ لا حساب الآخرين، بل حسابنا نحن: حساب العقل الذي حذّر، والقلب الذي أصرّ، والروح التي دفعت ثمن هذا الخلاف من سكينتها.

تعال، وتأمل ما فقدناه، وما أنفقناه من أعمارنا في ملاحقة السراب، وما استنزفناه من طمأنينتنا في تفسير تصرفاتٍ لم تكن تحتاج إلى تفسير، بقدر ما كانت تحتاج إلى أن نمتلك شجاعة الانصراف عنها.

فبعض الخسارات لا يعوّضها الندم، وبعض الجراح لا يبرئها طبيب، وبعض التجارب لا تستعيد ما أخذته منك، حتى لو خرجتَ منها بحكمةٍ تساوي عمرًا كاملًا.

أخبرني، يا قلبي: أين الذين ضحكت أسنانهم يومًا في وجوهنا، فحسبنا ضحكاتهم عهدًا، وصدّقنا وعودهم حتى كأننا نبكي فرحًا بتحقق ما تمنّيناه؟ أين هم الآن، بعدما تركونا نبحث في رماد الحكايات عن جمرةٍ واحدة تثبت أن شيئًا مما عشنا كان حقيقيًّا؟

وأين تلك الوعود التي سقيناها من أعمارنا، حتى ظننا أن الماء سيجري في أرضها إلى الأبد، فإذا بها سرابٌ تتبدد أطرافه كلما اقتربنا منه؟

ماذا جنينا من أيدٍ لم تمنحنا إلا قبضاتٍ فارغة، ومن أصواتٍ همست لنا بالطمأنينة بينما كانت أفعالها تُعدّ لنا أسباب القلق؟ ماذا بقي من ضجيجٍ حسبناه حياة، ومن صهيلٍ حسبناه قوة، فإذا به لا يتجاوز صدىً أجوف في إسطبلٍ من الأوهام؟

لا أريد منك أن تكره أحدًا، ولا أن تتحول إلى نسخةٍ قاسية من الذين آذوك. إنما أريدك أن تفهم أن نقاء القلب لا يعني تعطيل البصيرة، وأن حسن الظن لا يوجب عليك تسليم مفاتيح روحك لكل عابر.

فليس النضج أن تتوقف عن الحب، بل أن تتعلم أين تضعه. وليس الوعي أن تشكّ في الجميع، بل أن تمنح كل إنسانٍ من الثقة بقدر ما تثبته أفعاله، لا بقدر ما توقظ كلماتُه فيك من أحلام.

تعال، واجلس هنا… وكفى عنادًا!

أريد أن أحدثك عن جوهرةٍ أهملتها طويلًا، وعن إنسانٍ كان أولى باهتمامك من كل الذين استنزفوا مشاعرك، وأحقَّ بحراستك من كل الذين أرهقوك في محاولات فهمهم.

إنه مازن.

نعم، مازن الذي طالما أخّرتَ الالتفات إليه، بينما كنتَ تلتفت إلى كل وجهٍ جديد، وتمنح كل حكايةٍ عابرة فرصةً جديدة، وتبحث لدى الآخرين عن اعترافٍ بقيمتك، كأن قيمتك لا تكتمل إلا إذا شهدوا لك بها.

يا قلبي، أما آن لك أن تعرفه حقّ المعرفة؟ أما آن لك أن تنظر إلى روحه، لا بعين ما قاله الآخرون عنه، بل بميزان ما احتمله، وما تجاوزه، وما بقي فيه من بياضٍ رغم كل ما مرّ به؟

لقد انشغلتَ طويلًا بمن أحبّك، أو بمن ادّعى محبتك، ونسيتَ أن تسأل: هل أحسنتُ أنا إلى نفسي؟ هل حفظتُ لها كرامتها؟ هل منحتُها من الرفق ما كنتُ أرجوه من الآخرين؟ وهل عاملتُ هذا الإنسان الذي يسكنني بالوفاء نفسه الذي ظللتُ أطالب الناس به؟

 لقد كنتَ كريمًا في توزيع أعذارك، بخيلًا في منح نفسك فرصةً للراحة. كنتَ تبحث عن مبررات الآخرين، وتفتّش عن أسباب جفائهم، وتعيد قراءة كلماتهم ومواقفهم، وكأنك مسؤول عن إصلاح ما أفسدوه فيك. أما جراحك، فكنتَ تطلب منها الصمت، وأما تعبك، فكنتَ تأمره بالانتظار، وأما روحك، فكنتَ تؤجل موعدك معها كلما ناداك أحدهم.

وهذه، يا قلبي، إحدى أعظم صور الخذلان: أن تنشغل بإنقاذ الجميع، ثم تترك نفسك تغرق بصمت.

لذلك أريدك اليوم أن تعود إلى مازن، لا عودة المتعالي على الناس، ولا عودة الذي أغلق أبوابه انتقامًا، بل عودة الإنسان الذي أدرك أن كرامته ليست ثمنًا يدفعه ليبقى محبوبًا، وأن سلامه الداخلي ليس قربانًا يقدمه لكل علاقة يخشى فقدانها.

خذه إلى مشفى الحذر، وأدخله طوارئ التجارب، وافحص ما تركته فيه من جراحٍ مؤجلة، واقطع الخيوط التي تعلّق بها قلبك، إن كانت قد نُسجت من الوهم لا من الحرير، وسُقيت بالوعود الباردة لا بالمواقف الصادقة.

نظّف ذاكرته من التعلّق بما لا يستحق، وعلّمه أن بعض الأبواب لا تُغلق لأننا نكره من وراءها، بل لأننا نحب أنفسنا بما يكفي لئلا نبقى أسرى ما يؤذينا.

ولا تعد إلى قراراتك السائلة كلما هبّت عليك عاطفة، ولا تجعل الحنين قاضيًا في محكمةٍ يحتاج الحكم فيها إلى البصيرة. فليس كل اشتياقٍ دليلًا على أن العودة صواب، وليس كل ألمٍ بعد الرحيل دليلًا على أن البقاء كان خيرًا.

قد تشتاق إلى شخصٍ لم يكن مناسبًا لك، وقد تحزن على علاقةٍ كان انتهاءُها بداية نجاتك، وقد يؤلمك فراق ما كنت تتمناه، لا ما كان يصلح لك حقًّا.

كن حازمًا حين تتطلب الحياة حزمًا، وكن يقظًا حين تتطلب التجارب يقظةً، ولا تسمح لعاطفةٍ عابرة أن تنقض قرارًا اتخذته بعد طول تفكير. فالعقل ليس عدوّ القلب، كما أن القلب ليس عبئًا على العقل؛ إنما خُلقا ليتعاونا، لا ليتنازعا على قيادة حياةٍ واحدة.

وأوصيك، يا قلبي، أن تفتّش عن مازن كلما ألمّت بك نازلة، وأن تسأله قبل أن تمنح أحدًا مكانًا في روحك: هل يضيف هذا الإنسان إلى حياتنا طمأنينةً أم يقتطع منها؟ هل يحفظ كرامتنا حين نختلف، أم يجعل من ضعفنا فرصةً للسيطرة؟ هل تقف أفعاله إلى جانب أقواله، أم يظل الكلام وحده هو الشاهد الوحيد على صدقه؟

ولا تنسَ أن الإنسان الأصيل لا يُعرف في ساعات الوئام وحدها؛ بل يُعرف حين تختلف المصالح، وتشتد الظروف، وتضيق المسافات، وتصبح المحافظة على الوفاء مكلفة.

هناك، تحديدًا، تسقط الأقنعة، وتتكلم المواقف باللغة التي لا تحتاج إلى ترجمان.

وإنني لا أطلب منك أن تصبح قاسيًا، بل أن تصبح حكيمًا؛ لا أن تحبس محبتك، بل أن تمنحها لمن يعرف قيمتها؛ لا أن تنتقم ممن خذلك، بل أن تمنع خذلانه من أن يتكرر في حياتك بالصورة نفسها.

فالعبرة ليست بأن تخرج من التجربة منتصرًا على إنسان، بل بأن تخرج منها أكثر معرفةً بنفسك، وأشدّ احترامًا لحدودك، وأقلّ استعدادًا لتكرار الخطأ ذاته.

تذكّر، يا قلبي، أن الوفاء الذي لا تصحبه بصيرة قد يتحول إلى استنزاف، وأن التضحية التي لا تحفظ الكرامة قد تتحول إلى إلغاءٍ للذات، وأن التسامح الذي لا تسانده حدود واضحة قد يصبح بابًا مفتوحًا لتكرار الأذى.

وقد علّمنا من علّمونا الوفاء أن الخيانة دناءةٌ في الطبع، وأن نقاء السريرة فضيلة، لكن الوفاء لا يعني أن نمنح الخائن فرصًا بلا نهاية، ولا أن نسمح للغدر بأن يتخذ من طيبتنا مأوى آمنًا.

فكن وفيًّا، ولكن لا تكن غافلًا. كن رحيمًا، ولكن لا تكن مستباحًا. كن صادقًا، ولكن لا تجعل صدقك ذريعةً يبتزّ بها الآخرون مشاعرك. وابقَ أبيض القلب، لكن تعلّم كيف تحمي هذا البياض من الذين لا يرون فيه إلا فرصةً للاستغلال.

وفي النهاية، أريدك أن تفهم سرّ هذه الرسالة المشفّرة:

أنا، عقلك، لم أكن يومًا أريد حرمانك من الحب، ولا كنتُ أضع العراقيل في طريقك لأراك وحيدًا. كنتُ أخشى أن تفقد نفسك وأنت تحاول الاحتفاظ بمن لا يعرف كيف يحافظ عليك.

كنتُ أحذّرك لأنني رأيتُ فيك ما لم تره أنت في لحظات اندفاعك؛ رأيتُ كم أنت قادر على منح الحياة لمن حولك، وكم تستطيع أن تجعل من كلمةٍ صغيرة نافذةً للأمل، لكنني رأيتُ أيضًا كيف تنطفئ حين تضع كل هذا العطاء في المكان الخطأ.

لهذا، تعال نصالح بعضنا.

لن أطلب منك أن تتوقف عن الحلم، ولن تطلب مني أن أصمت حين أرى الخطر. سنمضي معًا؛ أنت تمنح الحياة دفأها، وأنا أمنح خطواتنا ميزانها. أنت تفتح الأبواب، وأنا أساعدك على التمييز بين بابٍ يقود إلى النور، وآخر لا يخفي وراءه إلا متاهةً جديدة.

ولن نجعل من خيبات الأمس سجنًا للغد، بل درسًا يحرسه. ولن نحاكم كل الوجوه بجريرة وجهٍ واحد، لكننا لن نمنح الثقة العمياء اسم الطيبة بعد اليوم.

فمازن ليس بحاجةٍ إلى أن يربح قلوب الجميع؛ بل إلى ألّا يخسر قلبه وهو يحاول ذلك.

وإذا كان لا بدّ من خسارةٍ في هذه الحياة، فلتكن خسارةَ وهمٍ لا خسارةَ كرامة، وفراقَ علاقةٍ لا فراقَ الذات، وندمًا على فرصةٍ ضاعت، لا عمرًا كاملًا أُهدر في انتظار من لم يأتِ.

 يا قلبي، لقد تأخرنا كثيرًا في فهم هذه الحقيقة، لكن التأخر في الفهم ليس هزيمةً ما دمنا نملك شجاعة التغيير.

فانهض، وامسح عن روحك غبار التجارب، واجمع ما تبقّى من طمأنينتك، وامضِ إلى الحياة بقلبٍ لا يزال يؤمن بالخير، وعقلٍ لم يعد يشتري الوعود قبل أن يرى البراهين.

واجعل عهدك الأخير أن تحبّ دون أن تفقد نفسك، وأن تثق دون أن تتنازل عن بصيرتك، وأن تعطي دون أن تتسوّل التقدير، وأن ترحل حين يصبح البقاء إهانةً لروحك.

فإن سألك أحدهم يومًا: ما الذي تغيّر في مازن؟

فلا تقل إن قلبه مات، ولا إنه صار يكره الناس، ولا إن التجارب نزعت منه إنسانيته.

قل فقط:

لقد تصالح عقله مع قلبه، وتعلّم قلبه أن الطيبة لا تعني الغفلة، وأن الوفاء لا يعني الاستنزاف، وأن أثمن إنسانٍ قد نهمله في زحام محبتنا للآخرين… هو أنفسنا. ويقينا كله خير ..

١٨ جماد الأولى ١٤٤٨هجري.
٧ آبان ١٤٠٥ش
٢٠٢٦/١٠/٢٩م

“البصيرة هي ان لا تصبح سهمًا بيد قاتل الحسين  يُسَدَّد على دولة الفقيه”
مقال آخر دمتم بنصر قادم .. https://t.me/mazinalwalae

خامنائيون ونستمر https://whatsapp.com/channel/0029Vb7VvHKLo4hWZ6wZa70q

للمناقشة https://t.me/monaqshawa