إيران لمّي جلابچ.. هذا الشعب ما يهابچ..!
ضياء أبو معارج الدراجي ||

ليس استهداف شيعة العراق وحشده الشعبي، ولا استهداف المتضامنين معهم وربطهم بايران، أمرًا مستحدثًا؛ فقد مارسته امس بقايا حزب البعث و داعش تحت شعارات مدنية وعلمانية زائفة في ساحة التحرير. وظهرت هذه الحملات قبل شهر في الدعوات المتكررة إلى إحياء فتنة تشرين، التي بدأت بمهاجمة قانون الأحوال الشخصية الجعفري، وتظاهرات النواشز والنسويات، وبعد إخفاق التحشيد تحت عناوين المطالب الوطنية يوم ٢٥ تشرين ٢٠٢٦، حيث انتقلت الشعارات الوطنية الزائفة إلى شعار أكثر صراحة: إيران برّا برّا.. وإحنا ما نريد إيران حتى لو يرتفع سعر الدولار والمواد الغذائية.
ولم تقتصر هذه الهجمات على الشعارات، بل طالت فنانين وكتّابًا ومحللين وناشطين ساندوا الحشد الشعبي وشيعة العالم في مواجهة الهجمة الصهيونية الأمريكية، ومن بينهم الفنانة آلاء حسين، التي وُجّهت إليها اتهامات بالخيانة والتبعية بسبب دعمها للحشد في أعمال درامية حازت جوائز وطنية ودعوات اقليمية.
ولفهم المشهد الراهن، لا بد من استعادة ما جرى بعد سقوط النظام عام 2003. فقد تنفّس العراقيون الحرية، وأقام الشيعة شعائرهم الحسينية علنًا بعد عقود من القمع، الأمر الذي أثار قوى السلفية وعربية والقاعدة والوهابية. ومنذ ذلك الحين بدأت التفجيرات والأحزمة الناسفة وعمليات قطع الرؤوس، واستُهدف زوار العتبات الحسينية، كما جرت عمليات تهجير قسري للشيعة من مناطقهم ومنازلهم وبساتينهم في المناطق ذات الأغلبية السنية. وأصبح طريق بغداد – كربلاء و بغداد – النجف جزءًا من مثلث الموت.
ورغم اتساع الفاجعة، التزم الشيعة الصبر والحكمة استجابةً لتوجيهات المرجعية الدينية العليا، إلى أن وقع تفجير الروضة العسكرية في سامراء ٢٠٠٥، فكان ذلك منعطفًا كشف حجم الخطر المذهبي والأمني. عندها أصبح الدفاع عن النفس وحماية الأرواح ضرورة، ولا سيما أن خطاب الإبادة ظل يستند إلى الذرائع نفسها: (فرس، مجوس، تبعية إيرانية). وهي الذرائع التي عادت إلى الواجهة مع نكسة سقوط الموصل وسبايكر عام 2014، ولا ينبغي السماح بتكرارها تحت عناوين مدنية أو علمانية زائفة.
ولا تبدو هذه الهجمة شأنًا عراقيًا محليًا فحسب، بل تتصل بمشروع أوسع يستهدف التشيع والحشد الشعبي عبر تحالف من الأدوات السلفية والصهيونية والإعلامية، ومن بينها خطابات تتخفى خلف شعارات المدنية والنسوية والعلمانية. وتحاول هذه القوى ضرب الحشد ومن يسانده عبر تخوين الفنانين والكتّاب والمحللين، وتحويل الموقف من قضايا المقاومة والسيادة إلى تهمة بالتبعية. كما تسعى إلى إضعاف النفوذ السياسي للقوى الشيعية في العراق، في وقت بدأ فيه تأثير التجربة العراقية يتجاوز الحدود، ولا سيما بعد الدور الميداني في دحر تنظيم داعش وإحياء الشعائر الحسينية المليونية.
وفي موازاة ذلك، شهد الشرق الاوسط تطورات دولية لا يمكن فصلها عن الجدل العراقي. فبعد عجز الإدارة الأمريكية عن إخضاع إيران أو ردعها بخيار الحرب، أُرسلت إليها وفود من وزراء دفاع السعودية وباكستان وقطر، برفقة طائرة نقل عسكرية تحمل مليار دولار، في إطار تفاوض يهدف إلى إنهاء أزمة الخليج وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة العالمية.
وقد أدى إغلاق المضيق إلى إرباك الاقتصادين الأمريكي والأوروبي، وأثار احتجاجات في عواصم دول التحالف الدولي. ومع ذلك، حاول بعض الوطنجية في العراق تصوير استقبال إيران لهذه الوفود بوصفه دليل ضعف ، بينما تشير الوقائع إلى أن التفاوض جرى نتيجة ثقل إيران الإقليمي وقدرتها على التأثير في أمن الطاقة والاقتصاد العالمي.
قبل ستة وأربعين عامًا، حين أعلن الإمام الخميني (قدس سره) قيام الثورة في إيران، ظل تأثيرها المباشر في الشارع العربي محدودًا بسبب حاجز اللغة. أما خلال السنوات الثلاث والعشرين التي تلت سقوط صدام، فقد اتسع حضور التشيع في العالم العربي والإسلامي بفضل اللغة العربية العراقية، والتجربة الميدانية في مواجهة داعش، وإحياء الشعائر الحسينية المليونية التي تحولت إلى ظاهرة جماهيرية عابرة للحدود.
أن هذا الامتداد يمثل مصدر قلق لإسرائيل، التي تنظر إلى التشيع، وإلى إرث الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) وأبنائه وشيعته، بوصفه تحديًا تاريخيًا مستمرًا لمشروعها. ومن هنا تُفهم، وفق هذا السياق، محاولات إضعاف الحشد والقوى الشيعية في العراق، وقطع الصلة بين التجربة العراقية وامتداداتها العربية والإسلامية.
إن استهداف شيعة العراق والحشد الشعبي ليس ظاهرة منفصلة عن تاريخ العنف الطائفي، ولا عن الصراعات الإقليمية والدولية. فقد بدأ بخطاب تكفيري وعمليات تهجير وتفجير، ثم تطور إلى حملات إعلامية وسياسية تتخفى خلف شعارات المدنية والعلمانية تتوافق مع مصالح إسرائيل وحلفائها.
لذلك فإن مواجهة هذه الحملات تتطلب وعيًا بتاريخها، وتمييزًا بين النقد السياسي المشروع وخطاب التحريض والتخوين، وإدراكًا للصلة بين ما يجري في العراق والتحولات الكبرى في المنطقة والعالم. فالعراق، بما يملكه من تجربة في مقاومة الإرهاب وإحياء شعائره، لم يعد ساحة هامشية، بل أصبح جزءًا من صراع أوسع على الهوية والسيادة ومستقبل المنطقة.
ضياء ابو معارج الدراجي




