إرهاصات مجنون.. نشيد الضفادع: ادفع ربع.. وانسَ أمرك..!
د. طالب الشوكة ||

عندما تصبح أجهزة الدولة أسرع في الجباية من الحاسوب!
يُقال إن الحاجة أم الاختراع، لكن في العراق، العجز الحكومي هو أب الجباية!
فنحن نعيش في بلد ريعي عجيب، النفط فيه يتدفق كالأنهار، لكن جيوب أكثر العراقيين، وأنا على رأس القائمة، لا تملك إلا رحمة الله، فهي جافة كصحراء السماوة، لا زرع فيها ولا حياة. وبدلاً من أن نفكر في تشغيل مصنع واحد متوقف، أو إنعاش أرض زراعية أكلها الجفاف، أو الحد من طوفان الهجرة الريفية التي ملأت المدن واكتظت بها الأزقة… وجد العباقرة الحل الأسهل والأسرع. جيب المواطن المسكين، رغم وجود العقرب الذي يعشعش فيه على مدار عقود طويلة!
طالب الدور الثالث.. ادفع 25 ألفاً لتمتحن!
وصلت الفلسفة الاستثمارية للتعليم إلى مرحلة غير مسبوقة؛ الطالب الذي أنهكه السهر والضغط النفسي، وربك الوحيد الذي يعلم بحاله، والذي قد لا يملك ثمن الكتاب أو الدفتر، يُقال له بدم بارد: تريد فرصة أمل في الدور الثالث؟ ادفع المعلوم أولاً!
أصبح الامتحان يشبه دخول مدينة الألعاب أو كراجات السيارات. ادفع الرسم لتحصل على حق دخول الامتحان! وإذا رسبت، فإنك على الأقل ساهمت في دعم الميزانية الوطنية!
أما درة التاج في ابتكارات الجباية، فهي قرارات مديرية المرور الأخيرة. رجل المرور العزيز، بدلاً من أن يكلف خاطره ويرجع إلى الحاسوب المجهزة به الدائرة ليتأكد: هل تقود بلا إجازة أم أنك مجرد نسيتها في البيت؟ ينظر إليك وكأنك كنز متحرك… الغرامة أولاً.. والبحث لاحقاً إذا ربك هداه وبحث!
ناهيك عن تضاعف الغرامات المرورية بأرقام خيالية تتجاوز أحياناً سعر السيارة نفسها! أصبح السائق العراقي يخرج من بيته وهو يدعو: اللهم اكفني شر الحفر، وشر الكاميرات، وشر غرامة المرور لسد النقص في إيرادات الشهر.
عمال النفايات الذين يتقاضون أجرين!
البلدية تقطع منك أجور التنظيف مقدماً، وبكل فخر وبلا مبالاة تُضاف مع وصل الماء الإجباري شهرياً. لكن عندما تصل حاوية النفايات مع منبهها الجميل والمعروف: طار طار، طا طا، طار طار، طا طا…
إلى باب دارك، يأتيك عامل النظافة بعينين زائغتين وابتسامة عريضة… ها يا بطل.. وين الإكرامية؟ ويشوفك عبارة عن 250 ديناراً، وعليك أن تستخدم نشيد الضفادع. وررررررق ورررررق، فتضطر أن تورّق الربع أو الخمس مئة، وتخاف لا يشيل العدة على كولة عادل إمام!
أو ما يشيل، أجلكم الله، الزبل!
يتحول المواطن العراقي إلى دافع ضرائب مزدوجة: ضريبة رسمية للدولة، وضريبة ميدانية لعمال النفايات حتى لا تُترك النفايات كمعلم سياحي أمام الباب الملعون!
وإذا عندك معاملة، الله يساعد قلبك، انتظار طوووووويل، وممكن ينتهي الدوام وأنت محلك سر، ويقول لك الموظف بابتسامة عريضة: تعال باجر، الدوام انتهى! ناهيك عن العرقلة المقصودة من قبل البعض لتصل إلى دفع المقسوم!
أما إذا تجرأت وقررت مراجعة إحدى دوائر الدولة، فإنك تدخل في متاهة فن التعطيل الممنهج. الموظف هناك ليس مهندساً ولا إدارياً، بل هو فنان تشكيلي في عرقلة المعاملة.
هذا المستمسك مو ملون ليش!
أو «تعال باجر، السيستم طافي!
روح للطابق الثالث وبعدين روح للأرشيف!
لو الموظف ما جاي أو ماخذ زمنية!
… وكل هذه السوالف واللف والدوران ليست سوى رسالة شفرية واضحة ومباشرة… لنشيد الضفادع: دفع المقسوم.. وتُنجز المعاملة في دقائق!
أما إذا اختلفت مع شخص ما على حالة أو موقف أو حدث شجار، فالسالفة سلملي! ويجوز تدخل بيها أسلحة متوسطة وهاونات وحرق منازل! هنا تدخل العشائر، وجيب العطوة وودّي العطوة، ولازم سيد ابن محمد (ص) يأخذ العطوة، وجيب وحط وادفع المقسوم، وبعدين بوس عمك بوس عمك، وتدفع الملايين!!!
عجيب أمور غريب قضية؟
حياة إيش هاي؟
العراقي اليوم محاصر بين.. مصانع مغلقة لا تنتج حتى مسماراً. أراضٍ بائرة قتلها عطشاً وسياسات الجوار. مدن مختنقة بالهجرة والزحام. وغرامات وإتاوات تجعل الجباية هي السلعة الوحيدة المتوفرة بكثرة وبلا انقطاع! ومشكلات لا تُحل إلا بالسلاح المتوسط؟
وصل المواطن العراقي إلى مرحلة من الشبع الإجباري، لم يعد يحتمل فيها ضريبة جديدة، ولا إكرامية إجبارية، ولا معاملة معطلة، ولا فصلاً عشائرياً. ولعل الحكومة تنتظر اليوم الذي تفرض فيه ضريبة على الهواء الذي نتنفسه في الازدحام اليومي لكثرة السيارات التي لا نعرف أسماء أغلبها… فأنت عندما تنظر للسماء لترى قدرة الخالق سبحانه وتعالى، تمنعك حُجُب الغازات…
رسالة إلى من يهمه الأمر…
العباس أبو فاضل (ع) عليكم يا أصحاب القرار والحل والعقد!
ارأفوا بهذا المواطن الصبور، فالحبل عندما يشتد أكثر من اللازم… ينقطع!




