الثلاثاء - 27 اكتوبر 2026

بين التأسيس والإمتداد الوسيط والإمتداد المعاصر، السيد شرف الدين العاملي والسيد سلطان الواعظين الشيرازي والشيخ أحمد سلمان التونسي وأنموذج الحوزة المتمكنة..!

منذ ساعة واحدة
الثلاثاء - 27 اكتوبر 2026

غيث العبيدي ـ كاتب عراقي مستقل.

 

 

 

▪️المقدمة:

في تاريخ الحوزة العلمية، يوجد نوعين من الفقهاء، فقيه يحفظ المذهب في الكتب، وفقيه اخر يحفظ المذهب في قلوب الناس. الأول كثير، والثاني نادر جداً.
السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي، والعلامة السيد سلطان الواعظين الشيرازي، والشيخ أحمد سلمان التونسي ينتميان إلى النوع الثاني من الفقهاء وهو ما يمكن أن نطلق عليه إصطلاح الحوزة المتمكنة.

أولاً: السيد شرف الدين العاملي – المؤسس.

السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي، ولد في الكاظمية عام 1872 ونشأ في جبل العامل، (لبناني الأصل وعراقي المولد)
درس في النجف على يد كبار مراجع عصره، حتى حصل على درجة الإجتهاد المطلق. كان يمكن أن يبقى في النجف الأشرف مرجعاً نبيلاً وأستاذاً محترماً، لكنه أختار طريقاً آخر وهو العودة إلى جبل العامل.

ذهب إلى صور في جنوب لبنان، وهي مدينة فقيرة محتلة من فرنسا. وهناك أسس المدرسة الجعفرية وجعلها تدرس الفقه والرياضيات والجغرافيا معاً، لأنه كان يرى أن مواجهة الإستعمار مثلما تحتاج إلى الجغرافية تحتاج إلى العلم.
وعندما أحتلت فرنسا لبنان عام 1920، أفتى بالجهاد وقاد المقاومة بنفسه، فحكمت عليه فرنسا بالإعدام وأحرقت مكتبته.

أما منهجه العلمي، فقد كان ثورة علم، وبالأخص في كتابه الأشهر المراجعات، الذي ناقش فيه شيخ الأزهر سليم البشري بروايات من صحيح البخاري ومسلم ومسند أحمد. وهذا هو قمة التمكن، أن تهزم خصمك بأسلحته هو.

ثانياً: العلامة السيد سلطان الواعظين الشيرازي-الإمتداد الوسيط.

ولد في طهران عام 1894م، ونشأ فيها، ثم هاجر إلى النجف الأشرف عام 1912م ودرس على يد كبار مراجعها، كالشيخ محمد كاظم الشيرازي، والسيد أبو الحسن الأصفهاني، حتى نال درجة الإجتهاد.

وكان يمكن أن يبقى في النجف مرجعاً محترماً، لكنه أختار الهجرة العكسية إلى بيشاور في شمال الهند عام 1927، وهي مدينة سنية متعصبة لا يجرؤ الشيعي فيها على إظهار تشيعه هناك.

وفي مسجد صغير، ناظر كبار علماء السنة عشر ليالٍ متتالية أمام أربعة آلاف مستمع، من شهري رجب وشعبان، ولم يحتج عليهم بحرف واحد من الكافي، بل أحتج عليهم من صحيح البخاري وصحيح مسلم وشواهد التنزيل وتاريخ الطبري.

فكان منهجه هو نفس منهج السيد شرف الدين العاملي،
وثمرة تلك الليالي كتاب ليالي بيشاور، والذي يعد بمثابة كتاب المراجعات بنسخته الثانية، لكنه لم يكن بصيغة المراسلة الهادئة مع شيخ الأزهر، بل كان في مواجهة مباشرة في الميدان، انتهت بتشيع المئات على يديه.

ثالثاً: الشيخ أحمد سلمان التونسي – الإمتداد المعاصر

بعد مئة عام، يأتي الشيخ أحمد سلمان التونسي ليعيد نفس التجربة بنفس المنهج لكن في بيئة مختلفة تماماً.

الشيخ أحمد سلمان درس في النجف وقم حتى وصل إلى مرحلة البحث الخارج. كان يمكن أن يبقى هناك مدرساً فيها، لكنه رجع إلى تونس، البلد ذو الصبغة المالكية مئة بالمئة، ويكفر فيه الشيعي علناً.

منهج أحمد سلمان هو نسخة مطورة من منهج المراجعات. هو لا يفتح الكافي عندما يناظر سلفياً، بل يفتح صحيح البخاري ومسلم ومسند أحمد على الشاشة ويقول له اقرأ تلك الرواية وهذا الحديث بهدوء تام وثقة كبيرة، ويحتج على خصومه من كتبهم. والأهم من ذلك كله، أنه ترجم الحوزة العلمية إلى لغة يفهمها الناس، بلهجته التونسية المعسولة، على مواقع التواصل الإجتماعي.

ثالثاً: المرجعية الرشيدة – الحاضنة التي صنعت نماذج التمكين.

وهنا لا بد من الإشادة بدور المرجعية العليا في النجف الأشرف، فلولاها لما وجد السيد شرف الدين العاملي، ولا العلامة سيد الواعظين الشيرازي، ولا  الشيخ أحمد سلمان التونسي.

▪️عهد التأسيس والأمتداد الوسيط:

كانت المرجعية بقيادة الميرزا النائيني والسيد أبو الحسن الأصفهاني. هذه المرجعية المحترمة لم تكن صامتة إطلاقاً، فعندما قاد شرف الدين العاملي المقاومة في جبل العامل، كانت برقيات الدعم تصل إليه من النجف الأشرف وأعتبره النائيني وكيله المطلق في بلاد الشام. فقالت له المرجعية في حينه أذهب إلى الثغر، فأنت ثغرنا في وجه فرنسا.

والسيد شرف الدين العاملي لم يكن يعمل وحده، بل كان يعمل بظهر مسنود من النجف الأشرف، ومثله تماماً عمل العلامة سيد الواعظين الشيرازي.

▪️عهد الإمتداد المعاصر:

ومرجعية اليوم بقيادة السيد علي السيستاني أطال الله في عمره الشريف، نجد نفس الحضن بصيغته المعاصره.

السيد السيستاني هو الذي أفتى بأن السنة أنفسنا، وهو الذي فتح باب الحوار مع الفاتيكان ومع الأزهر، مانعاً للسب والشتيمة، وهذا الجو المعتدل هو الذي سمح لظاهرة مثل الشيخ  أحمد سلمان التونسي أن تنمو وتعمل في تونس والمغرب العربي.

الشيخ أحمد سلمان نفسه يؤكد دائماً بأنه يمثل مدرسة النجف الأشرف، مدرسة الأعتدال والحوار والمعرفة.

▪️ الخاتمة:

وبمثلث التمكين، السيد شرف الدين العاملي، والذي ناظر شيخ الأزهر بالقلم في المراجعات، والعلامة السيد سلطان الواعظين الشيرازي، الذي ناظر علماء بيشاور باللسان في ليالي بيشاور، والشيخ أحمد سلمان التونسي الذي يناظر التكفيريين في الشاشة، تحول العلم الحوزوي إلى أثر على الأرض بالأدلة القاطعة ولغة الأدلة الناصعة.

وبكيف الله.