الثلاثاء - 27 اكتوبر 2026

طائرة الرياض تهبط في طهران… وعينها على صنعاء..!

منذ 59 دقيقة
الثلاثاء - 27 اكتوبر 2026

عباس سرحان ||

 

 

 

هبطت الطائرة في مطار طهران، العاصمة التي ظلت الرياض حتى الأمس القريب تراها سبب مشكلاتها كلها، ونزل منها وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان.
مشهد لم يتوقعه كثيرون بعد أشهر من حرب امتد شررها إلى أنابيب النفط السعودية ومطاراتها ومدنها.
في القاعة التي استضاف فيها أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي اجتماع الاثنين ٢٦ تشرين الأول، جلس الأمير إلى جانب قائد الجيش الباكستاني عاصم منير ورئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن، ممثلين لدول «اتفاقية مكة للدفاع المشترك«.
المفارقة أن الرياض اتهمت طهران في آذار الماضي، في ذروة الحرب الأميركية على إيران، باستهداف أراضيها، وخرج الأمير خالد يومها يحذّر الإيرانيين من «الحسابات الخاطئة«.
ثم تولّى الإعلام السعودي باقي الحكاية، فقدّم أنصار الله على أنهم أداة إيرانية ينفذون أجندة طهران في خاصرة الجزيرة العربية.
بعد ذلك كله ترسل الرياض وزير دفاعها ليفاوض إيران على أرضها.
فما الذي حملها على هذا التحول؟
صحيح أن جدول الأعمال المعلن تحدّث عن تناول المجتمعين الحرب الأميركية على إيران، غير أن هذا الملف تتولاه باكستان وقطر منذ أشهر، ولم يكن للرياض فيه دور يُذكر.
في السياسة، كثيراً ما تكون العناوين المعلنة غطاءً لحفظ ماء الوجه، فإذا نزعنا هذا الغطاء لم يبقَ ما يفسّر دخول الرياض على الخط سوى مأزقها في اليمن، لا سيما أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أعلن قبل أسبوع أنها لم تردّ على عرض طهران للتوسط بينها وبين الحوثيين.
لذلك لا يجانب الصواب من يرى في الزيارة طلب نجدة لا جولة تفاوض، فالرياض، بعد أن جرّبت كل من لجأت إليهم، عادت إلى العاصمة التي تجاهلت عرضها تطلب منها أن تفتح لها باباً للخروج من صراعها مع أنصار الله.
قد لا تُلام الرياض على ذلك من زاوية مصالحها، فمدنها وبنيتها التحتية صارت عرضة لصواريخ لم يردعها حلف مكة ولا منظومات باتريوت ولا الاستعانة بالأميركي والإسرائيلي.

لكن ما تدفعه المملكة اليوم ثمن خيار اتخذته بالأمس، حين انخرطت في صراع مع جيرانها يخدم واشنطن وتل أبيب أولاً، انطلاقاً من عُقد دينية وطائفية لم تحفظ لها أمنها.
أما وقد وصلت الأمور إلى هنا، فمن الجيد أن تراجع حساباتها، شرط أن تبدأ خطوتها الأولى من صنعاء.
ذلك أن قرار الحرب في اليمن لا تصنعه طهران كما تفترض الرياض.
فمهما بلغت صلة أنصار الله بإيران، فقد عادوا إلى القتال بعد أن قصف الطيران السعودي مطار صنعاء في تموز الماضي وانهارت معه هدنة ٢٠٢٢، ولم يُنقل أنهم انتظروا كلمة من طهران، بل احتكموا إلى شارعهم فيما سمّوه مسيرات التفويض.
بهذا المعنى، فإن من استمد قرار الحرب من شارعه لا يتخلى عن مطالبه بإشارة من حليف، ولن تضغط طهران على أنصار الله، ولن تذهب في وساطتها أبعد من نقل ما تريده صنعاء.
غير أن موقف طهران هذا قد لا يفسّره استقلال قرار حلفائها وحده، بل يفسّره أيضاً تحوّل فيها ربما لم يلتفت إليه السعوديون، فإيران الودودة، التي كانت تضغط على حليفها لترضي جارها ولو على حساب مصالحها، انتهت منذ اغتيل قادتها ومواطنوها ودُمّرت منشآتها على نحو مباغت.
وُلدت مكانها إيران أخرى تزن كل طرف بحجمه وبقربه منها أو بعده، فتمتد يدها مرحّبة نحو الحلفاء، وتفتر عمن تراهم خصوماً أو يقولون لها غير ما يفعلون.
هكذا عادت الطائرة إلى الرياض بوعد مواصلة الحوار، أما ما جاء الوفد يطلبه من طهران فلا يجده إلا في صنعاء.