الأربعاء - 28 اكتوبر 2026

لماذا لم أصبح ناصرياً أو بعثياً أو شيوعياً؟ (٤).. من مذكراتي الفكرية والسياسية: رحلة ستين عاماً من الإسلام السياسي إلى الفلسفة الحضارية..!

الأربعاء - 28 اكتوبر 2026

محمد عبد الجبار الشبوط ||

 

 

الحادي عشر: العودة إلى العراق واختبار الدولة من داخل مؤسساتها
عندما عدت إلى العراق بعد سقوط النظام البعثي عام 2003، وجدت نفسي أمام مرحلة جديدة تختلف عن سنوات المعارضة والمنفى. فقد أصبح السؤال متعلقاً بإمكان بناء نظام سياسي جديد، وإدارة التعددية العراقية، وتأسيس دولة لا تعيد إنتاج أنماط السلطة التي عانى منها المجتمع في العقود السابقة.
لكن التجربة العراقية كشفت أن الانتقال من نظام استبدادي إلى نظام دستوري تعددي لا يكفي وحده لضمان بناء دولة مؤسسية فعالة، وأن وجود الانتخابات والأحزاب والدستور لا يمنع بالضرورة نشوء المحاصصة والفساد وضعف المؤسسات وتغليب المصالح الحزبية على المصلحة العامة.
وقد عشت هذه المشكلات بصورة أكثر مباشرة عندما توليت رئاسة شبكة الإعلام العراقي بين عامي 2011 و2016، وهي مؤسسة عامة كبيرة تضم نحو أربعة آلاف موظف.
كانت تلك التجربة فرصة لاختبار أفكاري المتعلقة بالمؤسسة العامة والاستقلال المهني والإدارة والكفاءة والعلاقة بين السلطة السياسية وأجهزة الدولة. وقد حاولت تطوير العمل المؤسسي، لكنني واجهت عوائق وضغوطاً كشفت لي حجم الصعوبات التي تعترض بناء مؤسسة عامة مستقلة عن المصالح الحزبية والسياسية.
وقد أضافت هذه التجربة إلى وعيي بُعداً لم يكن متوافراً بالدرجة نفسها في مراحل العمل الفكري والمعارضة السياسية. فقد أصبحت أرى بصورة عملية أن بناء الدولة لا يتحقق بمجرد وجود دستور أو حكومة أو انتخابات، وإنما يحتاج إلى منظومة من القيم والعلاقات والقواعد والمؤسسات والقدرات البشرية.
وأخذت أزداد اقتناعاً بأن إصلاح الدولة وإصلاح المجتمع عمليتان متلازمتان، وأن الدولة لا تستطيع أن تكون حضارية إذا كانت المؤسسات والعلاقات الاجتماعية التي تقوم عليها عاجزة عن إنتاج الثقة والكفاءة والمسؤولية والالتزام بالمصلحة العامة.
الثاني عشر: من الإسلام السياسي إلى الفلسفة الحضارية
إذا أردت أن ألخص التحول الفكري الذي مررت به منذ عام 1966، فإنني أستطيع أن أقول إنني انتقلت من البحث عن الدولة التي تجسد المبدأ الذي أؤمن به، إلى البحث عن الدولة التي تستطيع تحقيق شروط الحياة الحضارية للإنسان والمجتمع.
في المرحلة الأولى كنت أنطلق من الاعتقاد بأن المشكلة الأساسية تكمن في غياب النظام الإسلامي، وأن إقامة الدولة الإسلامية تمثل المدخل الحاسم للنهوض. أما في المرحلة اللاحقة فقد أصبحت أرى أن المشكلة أعمق من هوية النظام السياسي، وأنها تتعلق بالقدرة الحضارية للمجتمع وبنوعية الإنسان والمؤسسات والقيم والعلاقات والمعرفة والعمل.
ومن هنا أخذت فكرة الدولة الحضارية الحديثة تتبلور في تفكيري، ثم اتسعت إلى مشروع الفلسفة الحضارية.
لقد أصبح اهتمامي موجهاً إلى دراسة المركب الحضاري الذي يتكون من الإنسان والأرض والزمن والعلم والعمل، وإلى فهم الدور الذي تؤديه منظومة القيم العليا في توجيه تفاعل هذه العناصر، والدور الذي تؤديه المؤسسات والعلاقات والسلطة والمصالح في تحويل الإمكانات إلى إنجازات تاريخية.
ومن هذا المنظور، لم تعد النهضة نتيجة تلقائية لامتلاك المبدأ الصحيح أو وصول جماعة مؤمنة به إلى السلطة، وإنما أصبحت عملية تاريخية معقدة تتطلب بناء القدرة الإنسانية والمعرفية والإنتاجية والمؤسسية، وتحتاج إلى منظومة قيم تحفز العمل والإبداع والتعاون والعدل والمسؤولية.
وأرى أن هذا التحول يتضمن مراجعة نقدية لبعض التصورات التي تأثرت بها في شبابي، لكنه لا يقتضي التخلي عن جميع عناصرها. فما زلت أجد في فكر محمد باقر الصدر، ولا سيما في «اقتصادنا»، عناصر مهمة يمكن الإفادة منها في تطوير رؤية اقتصادية تقوم على العدالة والمسؤولية الاجتماعية وتنظيم الملكية والتوزيع.
كما أنني ما زلت أرى في بعض تحليلات كارل ماركس للرأسمالية والصراع الاجتماعي والتاريخ إسهامات تستحق الدراسة والنقد والإفادة، دون أن يعني ذلك تبني الماركسية بوصفها أيديولوجيا شاملة.
وهذا الموقف يعبر عن أحد التحولات المهمة في طريقة تفكيري. فقد أصبحت أرى أن الحقيقة لا تحتكرها مدرسة فكرية واحدة، وأن بناء نظرية حضارية جديرة بهذا الاسم يتطلب الحوار النقدي مع التراث الفكري الإنساني بمختلف اتجاهاته، والتمييز بين القيمة المعرفية للفكرة وبين الانتماء العقائدي لصاحبها.
وهكذا انتقل سؤال النهضة من مستوى المبدأ الذي ينبغي الإيمان به إلى مستوى الشروط التي تجعل تحقيق النهضة ممكناً.
الثالث عشر: قراءة نفسية في مساري من الانتماء إلى المراجعة
بعد ستين عاماً من التجربة، أجد أن من الممكن قراءة مساري الفكري من خلال التحول في علاقتي بالهوية والانتماء واليقين والاختلاف.
ففي مرحلة الشباب كان الانتماء إلى مشروع فكري شامل يمنحني شعوراً بالاتجاه والمعنى، ويجعل العالم أكثر قابلية للفهم من خلال منظومة مترابطة من الأفكار والقيم. وكانت هذه إحدى الوظائف النفسية التي تؤديها الأيديولوجيات الكبرى في حياة الشباب، فهي لا تقدم لهم برامج سياسية فحسب، وإنما تمنحهم أيضاً تصوراً عن موقعهم في التاريخ وعن الغاية التي ينبغي أن يعملوا من أجلها.
ولم يكن هذا الميل خاصاً بالإسلام السياسي، فقد كان الشباب الناصريون والبعثيون والشيوعيون يجدون في مشاريعهم أيضاً معنى للانتماء والعمل والتضحية. لكن اختلاف التكوين النفسي والثقافي والاجتماعي كان يجعل كل شاب أكثر استعداداً للانجذاب إلى مشروع معين.
أما تجربتي فقد بدأت من الإسلام، ثم اتسعت عبر الفكر والعمل السياسي والتجربة التاريخية.
ومع مرور السنوات، أخذت أكتشف أن قوة الاقتناع بالفكرة لا تعني بالضرورة اكتمالها، وأن الإخلاص للمشروع لا يضمن نجاحه، وأن امتلاك رؤية أخلاقية صحيحة لا يعفي من ضرورة امتلاك المعرفة والخبرة والمؤسسات والوسائل المناسبة لتحقيقها.
وكان هذا الاكتشاف يتطلب نوعاً من الاستقلال النفسي عن الجماعة الفكرية والتنظيمية، لأن الإنسان الذي يرتبط بهويته السياسية ارتباطاً عميقاً قد يجد صعوبة في مراجعة أفكارها دون أن يشعر بأنه يراجع جزءاً من ذاته.
وقد ساعدتني التجارب المختلفة على تجاوز هذه الصعوبة تدريجياً، لا عن طريق إنكار الماضي، وإنما عن طريق التمييز بين الهوية الشخصية والقناعة الفكرية، وبين الوفاء للأصدقاء والتاريخ المشترك وبين الالتزام الدائم بجميع الأفكار السياسية التي حملناها في مرحلة معينة.
وأصبحت أرى أن القدرة على مراجعة الأفكار ليست علامة ضعف في الالتزام، وإنما علامة نضج في العلاقة مع الحقيقة. فالفكرة التي تستحق الاحترام لا ينبغي أن تخشى الاختبار والنقد، والانتماء الذي يستحق الوفاء لا ينبغي أن يتحول إلى قيد يمنع الإنسان من التفكير.
ولعل هذا هو المعنى النفسي الأعمق لانتقالي من الإسلام السياسي إلى الفلسفة الحضارية: لم أفقد الحاجة إلى المعنى أو الالتزام بقضية عامة، وإنما تغيرت الطريقة التي أبحث بها عن المعنى وأفهم بها شروط تحقيق القضية التي أؤمن بها.
الرابع عشر: لماذا لا أندم على اختياري الأول؟
بعد ستين عاماً من اختياري الانتماء إلى حزب الدعوة الإسلامية، أستطيع القول إنني لا أندم على ذلك الاختيار، رغم أنني لم أعد أتبنى جميع الأفكار والتصورات السياسية التي كانت مرتبطة به.
ولا يعني عدم الندم أنني أرى التجربة خالية من الأخطاء، أو أنني أبرر جميع المواقف التي اتخذتها خلالها، أو أنني أعفي نفسي من مسؤولية المراجعة والنقد. بل يعني أنني أرى ذلك الاختيار جزءاً أصيلاً من تكويني الفكري والأخلاقي والسياسي، وأنه فتح أمامي طريقاً طويلاً للتعلم والتجربة والتضحية وإعادة التفكير.
لقد تعلمت من السيد محمد باقر الصدر أن الإسلام يمكن أن يكون منطلقاً لتفكير عقلي واجتماعي واسع، وتعلمت من التجارب السياسية أن سلامة المبادئ المعلنة لا تكفي لضمان سلامة الممارسة، وتعلمت من السيد محمد حسين فضل الله والشيخ محمد مهدي شمس الدين أهمية الحوار والانفتاح وإعادة النظر في العلاقة بين الدين والمجتمع والدولة.
كما تعلمت من تجربتي العراقية أن الاستبداد يمكن أن يتخذ أشكالاً أيديولوجية مختلفة، وأن احتكار السلطة باسم القومية أو الدين أو الثورة أو المصلحة الوطنية لا يغير من طبيعته إذا انتهى إلى تعطيل حرية الإنسان وإخضاع المجتمع لإرادة الحاكم أو الحزب.
ولذلك لا أرى أن المراجعة الفكرية الصادقة تستوجب إدانة الذات الماضية أو التنكر لها، وإنما تستوجب فهمها في سياقها التاريخي، والاعتراف بما فيها من صواب وخطأ، واستخلاص الدروس التي تساعد على تجاوز حدودها.
إنني لا أحاكم الشاب الذي كنته عام 1966 بمعايير المعرفة والخبرة التي أمتلكها اليوم، لأن ذلك الشاب لم يكن قد عاش التجارب التي عشتها لاحقاً، ولم يكن قد اطلع على جميع الأفكار التي اطلعت عليها خلال العقود التالية. لكنه كان يتحرك، في حدود وعيه وظروفه، بدافع البحث عن طريق يعتقد أنه قادر على خدمة الإنسان والمجتمع.
وهذا الدافع نفسه ما زال حاضراً في مشروعي الفكري الحالي، وإن تغيرت الأدوات والمفاهيم والوسائل.
خاتمة: من البحث عن الأيديولوجيا إلى البحث عن شروط النهضة
أعود الآن إلى السؤال الذي بدأت به هذه الشهادة: لماذا لم أصبح ناصرياً أو بعثياً أو شيوعياً عام 1966؟
أستطيع أن أجيب بأن الناصرية لم تكن تشغل مكاناً مهماً في تكويني الفكري والنفسي، وأنني لم أكن أرى في القومية العربية المدخل الأقرب إلى فهم مشكلات الإنسان والمجتمع، رغم انتمائي العربي العريق. ولم أكن معادياً لجمال عبد الناصر أو لمشروعه، بل كنت أقرب إلى الحياد تجاهه.
أما البعثية فلم تكن تستثير اهتمامي الفكري، ثم جاءت تجربتي اللاحقة مع السلطة البعثية لتجعل موقفي منها مرتبطاً أيضاً برفض الاستبداد وإخضاع الدولة والمجتمع للحزب الحاكم.
وفي المقابل، كانت لديّ مشاعر إيجابية تجاه ماركس ولينين وستالين، وكانت تربطني علاقات مودة وصداقة بالشيوعيين، وكان أحد أعمامي شيوعياً منتظماً، لكن هذه العلاقات والمشاعر لم تتحول إلى اقتناع بالماركسية أو رغبة في الانتماء إلى الحزب الشيوعي.
لقد كان الإسلام أقرب إلى وجداني وهويتي وتكويني الثقافي، وجاءت قراءتي لكتابَي «فلسفتنا» و«اقتصادنا» بين عامي 1965 و1966 لتمنح هذا الانتماء بعداً فكرياً وفلسفياً واجتماعياً.
وربما كان اهتمام محمد باقر الصدر بمشكلة التخلف والنهضة الحضارية من العناصر التي جذبتني إلى مشروعه منذ تلك المرحلة المبكرة، حتى إنني لم أكن أدرك آنذاك جميع أبعاد هذا الاهتمام أو نتائجه الممكنة.
لقد اخترت الإسلام السياسي لأنني وجدت فيه، في حدود وعيي آنذاك، طريقاً إلى تغيير المجتمع والنهوض به. ثم علمتني التجارب أن الطريق إلى النهضة أعقد من أن يختزل في انتصار حزب أو إقامة نظام يحمل اسماً عقائدياً معيناً.
وأصبحت أرى أن النهضة تحتاج إلى بناء الإنسان والعلم والعمل والمؤسسات والقيم والعلاقات، وأن الدولة الحضارية الحديثة لا تتحقق بمجرد إعلان المبادئ الصحيحة، وإنما بامتلاك القدرة على تحويلها إلى واقع اجتماعي ومؤسسي وإنتاجي.
وهكذا أجد أن المسافة بين عام 1966 وعام 2026 ليست مجرد ستين عاماً من العمر، وإنما هي مسافة فكرية قطعتها من الانتماء إلى مشروع أيديولوجي محدد إلى محاولة بناء نظرية حضارية عامة لفهم التاريخ والمجتمع والدولة.
ولعل أكثر ما يثير تأملي اليوم أنني لم أكن، في السادسة عشرة من عمري، أعرف أن الطريق الذي دخلته من باب الإسلام السياسي سيقودني بعد عقود طويلة إلى إعادة التفكير في شروط النهضة نفسها.
لقد بدأت حياتي السياسية باحثاً عن المشروع الذي يحقق النهضة، وأقضي اليوم مرحلة متقدمة من حياتي باحثاً عن القوانين والشروط الحضارية التي تجعل النهضة ممكنة. وبين البدايتين والنتيجتين تمتد تجربتي كلها، بما فيها من إيمان وتعلم وتضحيات وأخطاء ومراجعات.
ولهذا لا أندم على اختياري الأول، ولا أراه نهاية الطريق، بل أراه بدايته.