الاثنين - 26 اكتوبر 2026
منذ ساعة واحدة
الاثنين - 26 اكتوبر 2026

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع ||

 

 

 

 

لم تكن تظاهرات تشرين عام 2019 حدثاً عابراً في تأريخ العراق الحديث، بل كانت لحظة إنفجار لغضب شعبي تراكم لسنوات، نتيجة البطالة، وتراجع الخدمات، وإستشراء الفساد، وإنسداد الأفق أمام آلاف الشباب الذين وجدوا أنفسهم أمام دولة تمتلك الثروات، لكنها لم تنجح في تحويلها إلى فرص عمل وحياة كريمة لمواطنيها.

خرج العراقيون إلى الشوارع لأن الوعود لم تعد تكفي، ولأن الفجوة إتسعت بين ما كانوا ينتظرونه بعد عام 2003 وما وجدوه على أرض الواقع، لم يكن كل من خرج يحمل مشروعاً سياسياً، ولم يكن الجميع ينتمون إلى جهة واحدة أو يتحركون وفق توجيه مركزي؛ بل إن جانباً واسعاً من الحراك عبّر عن حالة غضب تلقائية، عبّر فيها المواطن عن إحباطه ورغبته في التغيير.

لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم: هل بقيت تشرين تعبيراً خالصاً عن مطالب الناس، أم أن أطرافاً حاولت ركوب موجتها وإستثمار زخمها؟
إن الإنصاف يقتضي التمييز بين الإحتجاج بوصفه حقاً دستورياً، وبين الجهات التي قد تسعى إلى توظيف الإحتجاج لمصالح سياسية أو أجندات خاصة، فالحركات الشعبية الواسعة لا تكون بالضرورة متجانسة؛ قد يلتقي فيها المواطن البسيط، والناشط المدني، وصاحب الموقف السياسي، وقد يحاول آخرون إستثمارها أو التأثير في إتجاهاتها.

لكن إثبات ذلك يحتاج إلى أدلة، لا إلى إتهامات تُطلق بالجملة.

لقد كان من الخطأ إختزال تشرين بأكملها في وصف واحد، كما كان من الخطأ إفتراض أن كل من شارك فيها كان يحمل أهدافاً واحدة أو ينطلق من دوافع متطابقة؛ فالمتظاهر الذي خرج بحثاً عن فرصة عمل، أو إحتجاجاً على الفساد، أو دفاعاً عن كرامته، لا يجوز أن يُساوى تلقائياً بمن إرتكب جريمة، أو بمن حاول تحويل الساحات إلى منصة لتحقيق مصالحه الخاصة، في المقابل، لا ينبغي أن تتحول مشروعية المطالب إلى حصانة تمنع مساءلة أي شخص عن فعل إرتكبه.

فإذا ثبت أن فرداً ارتكب جريمة قتل أو اعتداء أو إستغل أجواء التظاهر لإرتكاب فعل غير قانوني، فإن مسؤوليته شخصية، وتُحدد بالأدلة والتحقيق والقضاء، لا بمجرد إنتمائه إلى الحراك أو وجوده في إحدى ساحاته.

فهل من العدل أن نحمّل آلاف الشباب مسؤولية أفعال أفراد، لمجرد أنهم كانوا في المكان نفسه؟وهل يجوز أن تتحول حوادث العنف والإعتداء، أو الإتهامات المتعلقة بوقائع جنائية، إلى وسيلة لتشويه حركة إحتجاجية كاملة، من دون تمييز بين الضحية والجاني، وبين من خرج سلمياً ومن تجاوز القانون؟

إن التقارير الحقوقية الدولية وثّقت إنتهاكات خطيرة بحق المتظاهرين، بما فيها الإستخدام المفرط للقوة والقتل والاختطاف والإعتداء على الناشطين، وهذه حقائق لا يمكن تجاوزها عند قراءة تشرين وفي الوقت نفسه، فإن أي جريمة يُشتبه في وقوعها داخل ساحات التظاهر أو في محيطها يجب أن تخضع لتحقيق مستقل، وألا تُستثمر سياسياً قبل التحقق من تفاصيلها والمسؤولين عنها.

ومن هنا، فإن الدفاع عن تشرين لا يعني الدفاع عن كل ما جرى فيها، كما أن إنتقاد بعض الممارسات لا يعني إنكار مشروعية المطالب التي دفعت الناس إلى الشارع.

لقد كان غياب القيادة المركزية الواضحة من سمات هذا الحراك، وهو ما عكس جانباً من عفويته وإستقلاله عن الأحزاب التقليدية، لكنه جعل أيضاً مهمة التعبير عن موقف موحّد وضبط المسارات أكثر صعوبة، وفي مثل هذه الظروف، يمكن أن تتعدد الأصوات، وأن تظهر محاولات للتأثير في الرأي العام أو توجيه الحراك، من دون أن يعني ذلك أن جميع المشاركين كانوا أدوات بيد جهة ما.

لذلك، فإن الحديث عن التدخلات الخارجية أو الإستغلال الحزبي يجب أن يستند إلى وقائع محددة، لا أن يتحول إلى شماعة تُعلّق عليها كل أسباب الإحتجاج؛ فالأوضاع الإقتصادية والخدمية، والفساد، وضعف الثقة بالمؤسسات، كانت أسباباً حقيقية عبّر عنها العراقيون، ولا يمكن إلغاء هذه الأسباب بمجرد الإشارة إلى إحتمال وجود من حاول إستثمارها.

أما تشرين اليوم، فليست مُلكاً لحزب، ولا لجهة سياسية، ولا لمن يرفع أسمها في مناسبة ثم يتجاهل مطالب الناس في بقية الأيام، إنها تجربة ينبغي أن تُقرأ بعقل نقدي، وأن تُستخلص منها الدروس، بعيداً عن التخوين والتقديس معاً.

إن السؤال الحقيقي ليس فقط: من ركب موجة تشرين؟ بل أيضاً: لماذا وجد هؤلاء الشباب أنفسهم مضطرين إلى النزول للشارع أصلاً؟ وما الذي تحقق من مطالبهم؟ وهل إستطاعت القوى السياسية تحويل تلك التجربة إلى إصلاحات تعيد الثقة بالدولة ومؤسساتها؟

فمن حق العراقي أن يحتج سلمياً، ومن واجب الدولة أن تحميه، ومن واجب القضاء أن يحاسب كل من تثبت مسؤوليته عن جريمة، أياً كان موقعه أو إنتماؤه؛ أما تحويل المواطن إلى متهم لمجرد أنه طالب بحقه، أو تحويل أي حراك شعبي إلى مساحة معصومة من النقد والمساءلة، فكلاهما ابتعاد عن العدالة.

تشرين لم تكن خطيئة العراقيين، كما أن إسم تشرين لا ينبغي أن يكون غطاءً لأخطاء أي أحد، وبين هذين الموقفين، تبقى الحقيقة التي نحتاج إليها: أن نحمي حق الناس في الإحتجاج، ونحاسب من يستغل معاناتهم، ونرفض أن تتحول دماء الضحايا وغضبة الشارع إلى أوراق في صراع المصالح السياسية.

 

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع