زلزال الجيوسياسة: كيف مرّغت إيران ومحور المقاومة أنف الهيمنة الأمريكية في وحل العجز الاستراتيجي..!
نبيل الجمل ||

حين تتصادم إرادة الشعوب الحرة مع صخور الصلف الإمبراطورية، تتكشف الحقائق عارية من ألوان الزيف والتضليل الإعلامي. إن المشهد الإقليمي والدولي اليوم لا يعبر فقط عن أزمة عابرة، بل يوثق فصلاً تاريخياً فارقاً تسقط فيه أسطورة القطب الأحادى والغطرسة الأمريكية برمتها. وفي قلب هذه الملحمة الكبرى، تقف الجمهورية الإسلامية في إيران صخرة صلبة تتكسر عليها أعتد التهديدات العسكرية وأخبث أساليب الحصار والابتزاز، مسجلةً مع حلفائها في محور المقاومة انتصارات استراتيجية غير مسبوقة أعادت صياغة توازنات القوة في الشرق الأوسط والعالم بأسره.
ولطالما اعتمدت دوائر صنع القرار في واشنطن على لغة التهديد السطحي والتلويح الدائم بالقوة المفرطة، بما في ذلك أوهام استخدام ما يسمى “أم القنابل” والتلويح بضربات ساحقة؛ غير أن الواقع الميداني أثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن هذه التهديدات لم تعد سوى فقاعات صابون تذوب على عتبات العزم الإيراني. لقد عجزت الإدارة الأمريكية تماماً عن تحقيق أي هدف من أهدافها المعلنة وغير المعلنة حيال طهران؛ فلم تستطع تركيع الشعب الإيراني الأبي الذي أثبت عبر محطات تاريخية متتالية قدرته الفريدة على تحويل التحديات والحصار إلى فرص للنمو والاعتماد على الذات، ولم تفلح في كسر شوكة القيادة الإيرانية الحكيمة التي أدارت دفة المواجهة الدبلوماسية والعسكرية ببرود أعصاب محنك وعبقرية استراتيجية جعلت الخصم يقف حائراً عاجزاً عن التقدم أو التراجع.
ويتجسد هذا السقوط المدوي للغطرسة الغربية بأجلى مظاهره في الجغرافيا السياسية والبحرية الملتهبة لمضيق هرمز. فالممر المائي الذي حلمت واشنطن بتحويله إلى منصة لفرض الوصاية وهيمنة الطاقة، تحول بقدرة القوات المسلحة الإيرانية الباسلة إلى مقبرة لأطماع الأسطول الأمريكي. إن الإعلان الحاسم والصارم برفض وجود أي سفن حربية أمريكية في مياه الخليج، وتطبيق قواعد إشتباك حديدية جعلت ناقلات النفط التابعة للتحالف المعادي تترنح تحت وطأة الضربات والرسائل الميدانية الرادعة، يثبت بوضوح أن السيادة المطلقة في المنطقة باتت إيرانية بامتياز. لقد أدرك العالم أجمع أن الولايات المتحدة التي كانت تهز بوارجها العالم، تقف اليوم عاجزة عن حماية خطوط ملاحتها أو تأمين مصالح حلفائها دون إذن وموافقة طهران، وهو ما يعكس تحولاً جذرياً في ميزان القوى العالمي.
ولا يمكن فصل هذه الهزيمة الاستراتيجية الأمريكية في الخليج عن السقوط المتوازي للمشروعات السياسية والدبلوماسية لواشنطن وحلفائها في الملف النووي وغيره من الملفات الإقليمية. فعلى طاولة المفاوضات، تجلس الدبلوماسية الإيرانية بندية كاملة وثبات فولاذي ترفض كل أشكال الإملاءات والمقترحات المشبوهة الهادفة لانتزاع تنازلات مجانية، مما وضع البيت الأبيض في مأزق تاريخي خانق بين خيار الإقرار بالحق الإيراني المشروع أو مواجهة تداعيات انهيار أمن الطاقة الإقليمي والعالمي. إن سقوط الشروط الأمريكية وسقوط أوراق الابتزاز يؤكدان بوضوح أن سياسة “الضغط القصوى” قد تحولت إلى “فشل أقصى” يلاحق الإدارات المتعاقبة في واشنطن.
وعندما يتسع المشهد ليربط بين صمود إيران الاستراتيجي وملحمية الانتصارات التي يحققها محور المقاومة في مختلف الجبهات والساحات، تكتمل اللوحة الكبرى لعالم يتشكل من جديد. إن تكامل الساحات وتنسيق الجهود بين قوى المقاومة من فلسطين ولبنان والعراق واليمن وصولاً إلى طهران، أثبت أن معادلة “وحدة المصير” قادرة على إسقاط أهداف الكيان الصهيوني وداعميه الأمريكيين في القضاء على حركات التحرر. إن هذه الجبهات المترابطة لم تكتفِ بالدفاع عن نفسها، بل فرضت معادلات ردع قاسية كبّدت العدو خسائر استراتيجية أفقدته صوابه وأدخلته في حالة من التخبط الوجودي.
إن ما تعيشه إيران ومحور المقاومة اليوم ليس مجرد صدفة سياسية، بل هو ثمرة حتمية لثلاثية الصمود الأسطوري، وحكمة القيادة السياسية والعسكرية، والتضحيات الجسام لدماء الشهداء الأبرار. وإن غبار التهديدات الأمريكية يتلاشى تدريجياً، لتشرق شمس مرحلة تاريخية جديدة تتهاوى فيها إمبراطوريات الاستكبار والظلم، وتستعيد فيها شعوب المنطقة سيادتها وكرامتها ومقدراتها بقوة السلاح وإرادة لا تلين.




