الأحد - 25 اكتوبر 2026

دوّامة الوجود: حين نمضي في الزمن وتبقى أرواحنا عالقة في الماضي..!

منذ ساعتين
الأحد - 25 اكتوبر 2026

رياض سعد ||

 

 

تمهيد:
يعيش الإنسان صراعًا وجوديًا متواصلًا بين ماضٍ يرفض الرحيل، وحاضرٍ يعجز عن فهمه، ومستقبلٍ يطارده بالخوف والاحتمالات. وفي خضمّ هذه الدوّامة، تتشابك فوضى العالم مع فوضى الذات، فيمضي العمر بينما تظلّ الروح عالقةً في متاهاتها القديمة. فهل نحن نمضي حقًا في الحياة، أم أننا نعيد اجترار الألم ذاته بأشكالٍ مختلفة، حتى يتآكل الزمن فينا قبل أن نكتشف معنى وجودنا؟

أولًا: الإنسان بوصفه دوّامة من الفوضى

نحن لا نعيش الحياة بقدر ما نحاول النجاة من آثارها المتراكمة في دواخلنا؛ نحملها فوق ظهور أرواحنا كما يحمل المنفيُّ وطنه في ذاكرته، وكما يحمل الميتُ المجهولُ صرخته الأخيرة في قبرٍ لا يسمعه أحد. فثمة فوضى تسكن العالم من حولنا، وفوضى أخرى تتكاثر في أعماقنا، وبينهما يقف الإنسان ككائنٍ ممزّق، لا هو قادر على إصلاح العالم، ولا هو قادر على إخماد الحرائق التي تلتهم صمته الداخلي.

نحن عالقون في إعصارٍ لا تُرى جدرانه، ولا تُسمع أصواته، لكننا نشعر بارتطام أجزائنا بعضها ببعض. نتحرك كثيرًا، نفكر أكثر مما ينبغي، نتذكر ما يؤلمنا، ونخشى ما لم يحدث بعد، حتى تغدو الحياة سلسلةً من المحاولات المرهقة للهرب من أشياء لا يمكن الهرب منها؛ لأن بعضها يسكن الذاكرة، وبعضها يتخفّى في الاحتمالات، وبعضها الآخر هو نحن.

والمفارقة الوجودية أن الإنسان، كلما حاول أن يجد طريقه إلى الطمأنينة، اكتشف أن الطرق التي يسلكها تمرّ عبر متاهاته القديمة، وأن الأبواب التي يفتحها تقوده إلى الغرف ذاتها التي غادرها ذات يوم، ظانًّا أنه تركها خلفه إلى الأبد.

إننا لا نخرج من ذواتنا حين نغادر الأمكنة، ولا نتخلص من ماضينا حين تتبدل الوجوه والمدن والسنوات. فقد نغادر بيتًا، لكن البيت يظلّ قائمًا فينا؛ ونفارق إنسانًا، لكن ظله يواصل الجلوس إلى جوارنا؛ ونتجاوز حادثةً في ظاهر الزمن، بينما تظلّ الحادثة مفتوحةً في أعماقنا، كجرحٍ نسي الجسدُ موعدَ التئامه.

ثانيًا: سجن الذاكرة واستحالة الموت الكامل للماضي

الماضي ليس زمنًا انتهى، كما توهمنا الساعات والتقاويم، بل كائنٌ خفيّ يعيد تشكيل نفسه في داخلنا. إنه لا يعود إلينا دائمًا في هيئة ذكرى واضحة، وإنما قد يتسلل في نبرة صوت، أو رائحة عابرة، أو ملامح شخصٍ غريب يشبه أحد الذين فقدناهم، أو في لحظة صمتٍ لا نعرف لماذا أصبحت أثقل من قدرتنا على الاحتمال.

نحن لا نتذكر الماضي فحسب؛ بل نعيد إنتاجه، ونمنحه في كل مرة معنى جديدًا، ثم نحاكم أنفسنا في محكمةٍ لا تنتهي جلساتها. نعيد الحوارات التي انتهت، ونستحضر الكلمات التي لم نقلها، ونتخيل الردود التي كان ينبغي أن نقولها، ونصنع من الاحتمالات الميتة حياةً موازيةً نعاقب أنفسنا بالعيش فيها.

كم من إنسانٍ يعيش اليومَ بعمره الحقيقي، لكنه ما يزال في داخله طفلًا ينتظر اعتذارًا لم يأتِ، أو شابًّا يندب فرصةً ضاعت، أو عاشقًا يقف عند الباب الأخير الذي أُغلق في وجهه، أو أبًا يفتش في ذاكرته عن لحظةٍ كان يستطيع فيها إنقاذ ابنه من مصيرٍ لم يكن يملك القدرة على تغييره!

وهكذا يتحول التذكر من فعلٍ إنساني يحفظ التجربة إلى سلطةٍ تستعبد صاحبها. فبدل أن تكون الذاكرة مستودعًا للخبرة، تصبح سجنًا للوعي؛ وبدل أن تساعدنا على فهم ما حدث، تدفعنا إلى إعادة محاكمته، كأننا نعتقد، في مكانٍ غامض من أنفسنا، أن تكرار الألم قد يغيّر النتيجة، وأن إعادة المشهد ألف مرة قد تعيد إلينا ما سلبته المرة الأولى.

وفي هذا المعنى يمكن استحضار قول الفيلسوف الدنماركي سورين كيركغارد، الذي ارتبط فكره بمفارقة العيش بين التذكر والاستباق؛ فالإنسان، في جانبٍ من تجربته، يفهم حياته بأثرٍ رجعي، لكنه مضطر إلى عيشها باتجاه المستقبل. غير أن المأساة تبدأ حين يظلّ فهم الماضي مؤجلًا، وتظلّ الحياة نفسها معلّقةً في انتظار تفسيرٍ نهائي لا يأتي.

فهل نحن أسرى ما حدث فعلًا، أم أسرى المعاني التي منحناها لما حدث؟ وهل يؤلمنا الماضي لأنه انتهى، أم لأننا لم نتصالح مع عجزنا عن تغييره؟

لعلّ أكثر ما يستنزف الإنسان ليس ما فقده، بل محاولته المستحيلة أن يعيد كتابة الخسارة بعد وقوعها.

ثالثًا: الحاضر الغائب والمستقبل الذي يلتهمنا قبل أن يأتي

أما الحاضر، الذي يفترض أن يكون المساحة الوحيدة التي نملكها، فقد تحول عند كثيرين إلى ممرّ ضيق بين ماضٍ يطاردهم ومستقبلٍ يخيفون أنفسهم به.

نستيقظ في الصباح، لكن عقولنا تكون قد عادت إلى الأمس قبل أن تلامس أقدامنا الأرض. نشرب قهوتنا ونحن نفكر في مشكلات لم تُحلّ، ونتحدث مع الذين نحبهم بينما تتجول أرواحنا في أماكن أخرى، ونضحك أحيانًا لا لأننا سعداء، بل لأننا تعلمنا كيف نؤدي وظيفة الفرح أمام الآخرين.

نحن حاضرون بأجسادنا، غائبون بوعينا؛ نشارك في الحياة كما يشارك الممثل في مسرحيةٍ نسي نصّها، لكنه يواصل أداء دوره خشية أن ينكشف للجمهور أنه لا يعرف إلى أين يتجه المشهد.

والمستقبل، بدل أن يكون أفقًا للأمل، يتحول إلى آلةٍ لإنتاج المخاوف. نخشى الفقر قبل أن يأتي، والمرض قبل أن يصيبنا، والفقد قبل أن يقع، والفشل قبل أن نجرب، والموت قبل أن نعرف ما إذا كانت الحياة قد منحتنا فرصةً حقيقية لنعيشها.

نستهلك حاضرنا في دفع أثمان كوارث محتملة، وقد نموت من دون أن تقع معظم الكوارث التي أرهقتنا.

وهنا تتجلى مفارقة الوجود: إن الإنسان لا يتألم دائمًا بسبب ما يحدث له، بل قد يتألم بسبب ما يتخيله، وما يتوقعه، وما يعيد استحضاره، وما يعجز عن تقبّل احتمالاته.

وقد أضاء الفيلسوف أبيقور جانبًا من هذه المعضلة حين ناقش الخوف من الموت، محاولًا تحرير الإنسان من رعب شيءٍ لا يختبره بوصفه تجربةً واعية بعد انعدام وجوده. وبغضّ النظر عن الاتفاق مع تصوره أو الاختلاف معه، فإن فكرته تفتح سؤالًا أوسع: كم من عذاباتنا يصنعها الخوف من المستقبل، لا المستقبل نفسه؟

إننا نعيش أحيانًا في جنازاتٍ لموتى لم يموتوا، ونبكي خساراتٍ لم تقع، ونشيّع أحلامًا لم نمنحها فرصة الولادة. وحين يصل الغد، لا نستقبله بأرواحٍ جديدة، بل بأرواحٍ أنهكها انتظار المجهول.

وهكذا يصبح الزمن، الذي يفترض أن يحملنا إلى الأمام، أداةً لتمزيقنا بين جهاته الثلاث: ماضٍ لا يموت، وحاضرٍ لا نحضره، ومستقبلٍ لم يولد بعد، لكنه يطالبنا منذ الآن بأثمانه.

رابعًا: عبث التكرار ووهم التقدم

إن أكثر المفارقات قسوةً في التجربة الإنسانية أننا قد نخلط بين الحركة والتقدم، وبين انقضاء الأيام وتغيّر المصائر، وبين تراكم الخبرات واكتساب الحكمة.

نغيّر بيوتنا، ووظائفنا، وعلاقاتنا، وملابسنا، وحتى طرائق حديثنا، لكننا قد نحمل أنماطنا النفسية القديمة إلى كل مكان. نهرب من علاقةٍ مؤذية، ثم نعيد بناء العلاقة ذاتها مع شخصٍ آخر. نغادر بيئةً تخنقنا، ثم نصنع في البيئة الجديدة السجن نفسه. نلعن الأخطاء التي ارتكبناها، ثم نكررها بوجوهٍ مختلفة، وكأننا نتعمد إثبات أن الإنسان قادرٌ على تغيير كل شيءٍ حوله، باستثناء ما يرفض مواجهته في داخله.

إننا أحيانًا لا نكرر التجربة لأننا لم نتعلم منها، بل لأننا لم نفهم الدافع الذي أعادنا إليها. فقد يكون الخوف من الوحدة أقوى من إدراكنا للأذى، وقد تكون حاجتنا إلى الاعتراف أقوى من كرامتنا، وقد يكون تعلقنا بالصورة التي رسمناها لأنفسنا أشدّ من رغبتنا في اكتشاف حقيقتنا.

وهنا يطلّ ألبير كامو من نافذة العبث، لا ليخبرنا أن الحياة بلا معنى على نحوٍ مطلق، بل ليضعنا أمام التناقض بين توق الإنسان إلى الوضوح والنظام، وعالمٍ لا يمنحه بالضرورة إجاباتٍ نهائية.

في كتابه أسطورة سيزيف، يتخذ كامو من سيزيف، الذي يدفع صخرته إلى أعلى الجبل لتسقط من جديد، صورةً للجهد المتكرر الذي يبدو محكومًا بالعبث. لكن دلالة الصورة لا تنحصر في العذاب؛ إنها تضع الإنسان أمام سؤال الحرية والوعي: ماذا يبقى له حين يدرك طبيعة مصيره، ولا يعود مخدوعًا بوهم الخلاص السهل؟

إن سيزيف لا يتقدم نحو غايةٍ نهائية، لكنه يكتسب، في القراءة الكاموية، وعيًا بمحنته. ومن هنا يمكننا أن نسأل: هل يكمن العبث في تكرار الفعل ذاته، أم في تكراره من دون وعي؟ وهل يصبح الإنسان أكثر حريةً حين يدرك الدائرة التي يعيش فيها، حتى إن لم يستطع كسرها دفعةً واحدة؟

لعلّ المأساة الحقيقية ليست أن تتكرر بعض أيامنا، بل أن تتكرر ونحن نظنّ أننا نعيش حياةً مختلفة؛ أن يتغير التاريخ على الجدار، فيما تظلّ الساعة الداخلية متوقفةً عند الخيبة الأولى.

إننا نمضي في الزمن، نعم، لكن الزمن لا يضمن وحده أن نمضي في وعينا. فثمة أشخاصٌ تكبر أعمارهم من دون أن تتسع رؤيتهم، وتتراكم تجاربهم من دون أن تتحول إلى بصيرة، وتكثر خساراتهم من دون أن يتعلموا كيف يحمون ما تبقى منهم.

فالزمن يغيّر أعمارنا بالضرورة، لكنه لا يغيّرنا من الداخل إلا بقدر ما نفهمه ونواجه أنفسنا في ضوئه.

خامسًا: الذات بوصفها متاهةً لا تعرف مخرجها

ربما كان أشدّ أنواع الاغتراب أن يصبح الإنسان غريبًا عن نفسه، وأن ينظر إلى حياته كما لو أنها حياة شخصٍ آخر، وأن يشعر بأن ما يفعله لا يعبّر عمّا يريده، وأن ما يريده لا يشبه ما يستطيع فعله، وأن ما يستطيع فعله لا يوصله إلى ما يبحث عنه.

في تلك اللحظة، لا يعود العالم وحده مصدر الاغتراب؛ فالإنسان يغترب عن ذاته أيضًا.

إنه يتساءل: من أنا حقًّا؟ أأنا مجموع ذكرياتي، أم رغباتي، أم مخاوفي، أم الأدوار التي فرضتها عليّ الظروف؟ أأنا ذلك الذي كنتُه في طفولتي، أم الذي صرتُ إليه تحت ضغط الخيبات، أم الذي أتخيله حين أكون وحيدًا وأحاول أن أرى نفسي من دون أقنعة؟

تتعدد الأجوبة، ويظلّ السؤال مفتوحًا.

وقد جعل فرانز كافكا من الاغتراب والتحول والاختناق داخل عوالمٍ غامضة عناصر أساسية في تجربته الأدبية؛ فالإنسان في عوالمه لا يواجه دائمًا عدوًّا واضحًا، بل يجد نفسه أمام سلطةٍ مبهمة، وقوانين لا يفهمها، وأبوابٍ لا يعرف لماذا أُغلقت في وجهه.

وإذا نقلنا هذا المناخ من الأدب إلى التجربة اليومية، أمكننا أن نرى الإنسان المعاصر محاصرًا بمتاهاتٍ كثيرة: متاهة العمل، ومتاهة العلاقات، ومتاهة المجتمع، ومتاهة الصورة التي ينبغي أن يظهر بها أمام الآخرين. إنه مطالبٌ بأن يكون ناجحًا، ومتماسكًا، ومقبولًا، وقادرًا على الاحتمال؛ حتى عندما تكون روحه قد بلغت حدّ الإنهاك.

يتعلم كيف يخفي ارتباكه، لا كيف يفهمه؛ وكيف يبتسم في اللحظة المناسبة، لا كيف يستعيد طمأنينته؛ وكيف يواصل السير، لا كيف يسأل عن الطريق.

ومع مرور الوقت، يصبح القناع جزءًا من الوجه، ويصبح الدور جزءًا من الشخصية، ويغدو التظاهر بالقوة وسيلةً لإخفاء العجز عن الاعتراف بالحاجة إلى الراحة أو المساندة.

وهكذا تتكون داخل الإنسان طبقاتٌ من الصمت، حتى لا يعود قادرًا على التمييز بين صوته الحقيقي والأصوات التي استقرت فيه بفعل الخوف والعادة والضغط الاجتماعي.

إن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس فقط: لماذا نحن تائهون؟ بل أيضًا: كم من الطرق التي نسلكها اختَرْناها بإرادتنا، وكم منها سلكناها لأن الآخرين أقنعونا بأنها الطريق الوحيد؟

سادسًا: الزمن الذي يأكل أبناءه، والإنسان الذي يراقب تآكله

الزمن لا يسرقنا دفعةً واحدة؛ إنه يفعل ذلك بهدوءٍ يشبه حركة الماء حين ينحت الصخر. يأخذ منّا شيئًا صغيرًا في كل مرة: فرصةً، أو وجهًا، أو رغبةً، أو قدرةً على الدهشة، أو جزءًا من يقيننا القديم بأن الحياة ما تزال قادرةً على مفاجأتنا.

وفي البداية، لا نلاحظ شيئًا. نظنّ أننا نكبر فحسب، وأن التعب عابر، وأن الخسارات جزءٌ من الطريق. ثم نكتشف، بعد سنوات، أن بعض ما فقدناه لم يكن أشخاصًا أو أشياء فقط، بل كان نسخًا من أنفسنا؛ نسخًا لم تعد موجودةً إلا في الصور، أو في الحكايات التي نرويها عن أيامٍ كنا فيها أكثر خفةً وأقل خوفًا.

ننظر إلى صورةٍ قديمة، فنشعر أن الشخص الذي يقف فيها يشبهنا، لكنه ليس نحن تمامًا. نعرف ملامحه، ونتذكر صوته، ونستعيد أحلامه، لكننا نعجز عن العودة إليه. كأن الصورة نافذةٌ تطلّ على حياةٍ موازية عشناها ذات يوم، ثم أُغلق بابها من دون أن ننتبه.

والمفارقة أن الإنسان قد يقضي نصف عمره في محاولة بناء مستقبله، ثم يقضي النصف الآخر في استعادة الماضي الذي لم يكن يعرف قيمته حين كان حاضرًا.

لكن هل يعني ذلك أن الحياة خدعةٌ كبرى، وأننا محكومون بالتآكل حتى النهاية؟

ليس بالضرورة. فهذه النظرة، على الرغم من صدقها في وصف جانبٍ من التجربة الإنسانية، قد تتحول هي نفسها إلى سجنٍ جديد إذا جعلتنا نرى كل شيءٍ من خلال الفقد وحده.

إن الزمن لا يأخذ فقط؛ إنه يمنح أيضًا، وإن كانت عطاياه لا تأتي دائمًا في هيئة ما نرغب فيه. يمنحنا القدرة على إعادة تفسير التجارب، وعلى التحرر من بعض الأوهام، وعلى إدراك أن ما بدا لنا نهايةً مطلقة كان أحيانًا نهايةَ مرحلةٍ فحسب.

وقد رأى مارتن هايدغر أن الوجود الإنساني لا يُفهم بمعزلٍ عن الزمنية، وأن وعي الإنسان بمحدودية وجوده يضعه أمام إمكان أن يعيش حياته بقدرٍ أكبر من الأصالة. فالموت، في هذا الأفق الفلسفي، ليس مجرد حادثةٍ تقع في آخر الطريق، بل حقيقةٌ تجعل السؤال عن كيفية العيش أكثر إلحاحًا.

لسنا بحاجةٍ إلى انتظار النهاية كي ندرك قيمة الوقت؛ يكفي أن نفهم أن الوقت الذي يمضي لن يعود بالصورة ذاتها، وأن تأجيل الحياة إلى يومٍ مثالي قد يجعلنا نصل إلى ذلك اليوم، إن وصلنا، وقد فقدنا القدرة على الاستمتاع به.

إن المأساة ليست في أننا نتغير، بل في أن نترك التغير يحدث فينا من دون وعي؛ وليست في أننا نفقد، بل في أن يتحول الفقد إلى هويةٍ كاملة نعيش داخلها، حتى ننسى أن فينا أشياء لم تُفقد بعد.

سابعًا: هل يمكن الخروج من الدائرة؟

قد يبدو الحديث عن الخلاص من هذه الدوّامة نوعًا من التفاؤل السهل، خصوصًا حين يكون الإنسان محاصرًا بظروفٍ اقتصادية واجتماعية وسياسية قاسية، أو حين تتراكم عليه الخسارات حتى يصبح التفكير في المستقبل عبئًا إضافيًا.

ليس كل اضطرابٍ داخلي قابلًا للحل بإرادةٍ فردية، وليس كل ألمٍ نتيجةً لطريقة تفكير خاطئة، وليس من العدل أن نطالب الإنسان بالطمأنينة فيما العالم من حوله يسلبه الأمان والكرامة والقدرة على الاختيار.

فثمة معاناةٌ يصنعها الظلم، وأخرى تنتجها الحروب، وثالثة تتغذى من الفقر والعزلة وانعدام العدالة. وما لم نرَ علاقة الإنسان بشروط حياته الواقعية، فسوف نختزل المأساة الوجودية في مشكلةٍ نفسية فردية، ونتجاهل القوى التي تسهم في صناعة اغترابه.

ومع ذلك، تظلّ هناك مساحةٌ محدودة، لكنها مهمة، يمكن للإنسان أن يستعيد فيها شيئًا من حريته.

أن يعترف بأن الماضي لا يمكن تغييره، من دون أن يعني ذلك تبرئة من أساء إليه أو إنكار ما وقع عليه من ظلم. وأن يميّز بين استعادة الدرس واستعادة الجرح، وبين التفكير الذي يفضي إلى الفهم والتفكير الذي يعيد إنتاج العذاب. وأن يتوقف عن محاكمة نفسه إلى ما لا نهاية بسبب قراراتٍ اتخذها في ظروفٍ لم يكن يمتلك فيها المعرفة أو القدرة اللتين يمتلكهما اليوم.

أن يتعلم الإصغاء إلى حاضره، لا بوصفه مساحةً مثالية خاليةً من المشكلات، بل بوصفه الجزء الوحيد من الزمن الذي يستطيع أن يتفاعل معه بالفعل. وأن يدرك أن المستقبل لا يُضمن بالخوف منه، وأن الاستعداد للمجهول يختلف عن الاستسلام لسلطته قبل أن يأتي.

ولعلّ أهم ما يمكن أن يفعله الإنسان هو أن يكفّ عن انتظار تفسيرٍ نهائي لكل شيء قبل أن يسمح لنفسه بالعيش.

فليست كل الجراح قابلةً للتفسير الكامل، وليست كل الخسارات قابلةً للتعويض، وليست كل الأسئلة الوجودية تمتلك جوابًا نهائيًا. وقد تكون بعض النضوجات العميقة نتيجةً لقبول أن معرفتنا محدودة، وأن الحياة لا تمنحنا دائمًا خاتمةً عادلة أو معنىً مكتملًا.

هنا تبرز أهمية فيكتور فرانكل، الذي ربط في كتابه الإنسان يبحث عن معنى قدرة الإنسان على مواجهة المعاناة بإمكان العثور على معنى، حتى في ظروفٍ بالغة القسوة. ولا يعني ذلك أن الألم ضروريٌّ للنضوج، أو أن كل معاناةٍ ينبغي تبريرها، بل إن الإنسان قد يحتفظ بقدرٍ من الفاعلية في الطريقة التي يستجيب بها لما لا يستطيع تغييره.

لكن المعنى لا يُفرض على الجراح، ولا يُستخرج من المآسي بالقوة. إنه يتشكل أحيانًا في علاقةٍ صادقة، أو عملٍ نافع، أو موقفٍ أخلاقي، أو كتابةٍ تنقذ تجربةً من الضياع، أو لحظةٍ يدرك فيها الإنسان أنه لا يزال قادرًا على منح شيءٍ من الخير لعالمٍ لم يكن رحيمًا به.

وربما لا تكون الحرية في أن نخرج من الدائرة نهائيًا، بل في أن نكتشف مواضع دوراننا، وأن نتوقف عن تسميتها قدرًا لا يتغير.

فقد لا نستطيع منع الذاكرة من طرق أبوابنا، لكننا نستطيع ألّا نجعلها الحاكم الوحيد لحاضرنا. وقد لا نستطيع إلغاء الخوف من المستقبل، لكننا نستطيع ألّا نسلمه كل أيامنا قبل أن يأتي. وقد لا نستطيع إصلاح العالم بمفردنا، لكننا نستطيع ألّا نسمح لفوضاه بأن تمحو آخر ما تبقى فينا من ضميرٍ ووعيٍ وقدرةٍ على الحب.

خاتمة: حين يتقدم الزمن ويبقى الإنسان في مكانه

في النهاية، ربما لا تكمن مأساة الإنسان في أنه يعيش داخل دوّامةٍ من الفوضى، بل في أنه يظلّ يبحث عن مخرجٍ منها في الأماكن نفسها التي صنعتها. يفتش في الماضي عن خلاصٍ لا يملكه، وفي المستقبل عن ضمانٍ لا يستطيع أحدٌ تقديمه، وفي الآخرين عن إجاباتٍ قد لا يمتلكونها هم أنفسهم.

نحن نعيد ترتيب أثاث الذاكرة، ونغيّر أسماء الخيبات، ونمنح مخاوفنا وجوهًا جديدة، ثم نقنع أنفسنا بأننا تجاوزنا ما حدث. لكن الليل، حين يهدأ ضجيج العالم، يعيد إلينا أصواتنا القديمة، وتنهض الأشياء التي دفناها في أعماقنا، وتجلس إلى جوارنا كأنها لم تغادر يومًا.

نحاول أن ننام، فتستيقظ أفكارنا. نحاول أن ننسى، فتستعيد الذاكرة قدرتها على النبش. نحاول أن نبدأ من جديد، فنكتشف أن البداية ليست صفحةً بيضاء دائمًا، بل صفحةٌ قديمة نكتب عليها بحبرٍ جديد، فيما تظلّ آثار الكلمات السابقة ظاهرةً تحت السطور.

وكم هو غريبٌ هذا الكائن الذي يسمّي نفسه إنسانًا؛ يستطيع أن يقيس المسافات بين المجرات، وأن يفكّ أسرار المادة، وأن يبتكر وسائل لاجتياز البحار والفضاءات، لكنه قد يعجز عن عبور المسافة القصيرة بين جرحه والاعتراف به، وبين خوفه وفهمه، وبين حياته كما يعيشها وحياته كما كان يتمنى أن يعيشها.

إننا نركض، ونخطط، ونتنافس، ونراكم الأيام كما لو أننا نجمع ثروةً لا تنفد، ثم نلتفت فجأةً لنكتشف أن الزمن لم يكن مخزنًا نودع فيه أعمارنا، بل نهرًا يعبر بنا، وأن كل ما نملكه حقًّا هو ما استطعنا أن نعيشه بوعيٍ وكرامة، وما منحناه للآخرين من معنى، وما أنقذناه في داخلنا من التلاشي.

ولعلّ السؤال الأخير ليس: لماذا ندور في الدائرة ذاتها؟ بل: ماذا تبقّى منّا في أثناء دوراننا؟

هل ما زلنا نملك القدرة على الدهشة، أم أن الاعتياد قتل فينا حساسية الأشياء؟ هل ما زلنا قادرين على الحب، أم أننا نحمل الآخرين مسؤولية جراحٍ لم يسببوها؟ هل نعيش لأننا نريد الحياة، أم لأننا لم نتعلم كيف نتوقف عن أداء أدوارنا فيها؟

إن أخطر أنواع الموت ليس ذلك الذي ينهي حركة الجسد، بل ذلك الذي يجعل الإنسان يواصل الحركة بعدما يفقد علاقته بما يفعل، ويستيقظ كل صباحٍ ليعيد إنتاج يومٍ لا يشبهه، ثم يخلد إلى النوم وهو يشعر، في مكانٍ عميقٍ من روحه، بأنه لم يعش يومه حقًّا.

ومع ذلك، تظلّ هناك نافذةٌ صغيرة في جدار هذا العبث؛ نافذةٌ لا تعدنا بالخلاص الكامل، ولا تمنحنا ضمانًا ضد الخسارات، لكنها تذكّرنا بأن الوعي قد يكون أول شقٍّ في جدار المتاهة.

فحين ندرك أننا لا نستطيع استعادة الأمس، وأن الغد ليس ملكنا، وأن الحاضر لا ينتظر اكتمال فهمنا للعالم، قد نتعلم أخيرًا أن نعيش من دون أن نطالب الحياة بتعويضنا عن كل ما أخذته منا.

وحين نتوقف عن محاولة تغيير الماضي، ونكفّ عن دفن الحاضر في مخاوف المستقبل، ربما نكتشف أن الدائرة لم تكن مغلقةً تمامًا، وأن بعض الأبواب لم تكن موصدة، بل كنا ننظر إليها بأعينٍ أنهكها الظلام.

فالزمن يمضي، سواء فهمناه أم لم نفهمه؛ لكن المأساة أن يمضي بنا العمر، فيما نظلّ نؤجل الحياة إلى اللحظة التي نتصالح فيها مع كل شيء.

وتلك اللحظة، ربما، لن تأتي أبدًا.

فالحياة لا تبدأ حين تنتهي الأسئلة، ولا حين تتوقف الذاكرة عن الألم، ولا حين يصبح المستقبل مأمونًا من المفاجآت؛ إنها تبدأ، على نحوٍ هشٍّ ومتناقض، حين نكفّ عن اشتراط اكتمال الطمأنينة كي نسمح لأنفسنا بأن نعيش.

وعندها فقط، قد لا نخرج من دوّامة الوجود، لكننا نتوقف عن الدوران فيها مغمضي الأعين.