أثير الكعبي.. حكاية رجل لم ينتظر مقابلا من وطنه..!
انتصار الماهود ||

كان يقول: «أفدي الوطن بدمي»، قالها وفعل، وليس كل الرجال تفعل ما تقول. ما الذي منحك إياه الوطن يا أثير حتى تضحي بنفسك ودمك لأجله؟ وما الامتيازات التي حصلت عليها عائلتك من بعدك؟ وهل عشت حياة مرفهة كريمة حتى لحظة استشهادك؟ أم إنك عانيت، مثل جيل كامل رزح تحت نير الطغيان الصدامي، وقسوة الحصار الظالم، وإجرام البعث الحاكم؟
هل ولدت وفي فمك ملعقة من ذهب؟ أم إنك عانيت شظف العيش وضنك الحياة؟ ورغم كل ذلك، كنت من المضحين من أجل وطنك. أسئلة كثيرة يا أثير، أطرحها على نفسي، وأتمنى لو كنت أمامي لأسألك عنها، كيف سترد علي؟ ولو عاد بك الزمان، هل كنت ستقدم التضحية ذاتها؟
هل تعرفون من هو أثير؟ تعالوا لنعرفه أكثر من هذه السطور
ولد الشهيد السعيد أثير عبد الرزاق حميد حسن الكعبي في العاصمة بغداد، في الأول من نيسان عام 1980. نشأ في جانب الرصافة، وسط عائلة بسيطة مؤمنة عقائدية، ربّت أبناءها وسط تحديات سياسية وأمنية ودينية، في حقبة صعبة من تاريخ العراق.
أكمل دراسته المتوسطة، وانخرط في سوق العمل الحر، ليعمل كاسباً، كونه المعيل الوحيد لأسرته التي اعتمدت عليه في كل شيء.
تزوج، ورُزق بطفلين، كرس لهما وقته وجهده، وسعى إلى توفير حياة كريمة لهما، رغم صعوبة الظروف التي عاشها.
انضم لصفوف المقاومة الإسلامية، عصائب أهل الحق، عام 2005، مشاركا إخوته المجاهدين في قتال القوات الأمريكية المحتلة والدفاع عن أرضه. كما شارك في مواجهات نوعية ضدهم في العاصمة بغداد.
شارك أثير كذلك في قتال التنظيمات الإرهابية الطائفية، ومنها تنظيم القاعدة، الذي استباح دماء الأبرياء وأحدث شرخا كبيرا في النسيج الاجتماعي العراقي.
لبّى نداء العقيدة، متوجها إلى أرض الشام للدفاع عن مرقد السيدة زينب (عليها السلام) ، في مواجهة التهديدات التي شكلها تنظيم داعش الإرهابي. وخاض معارك شرسة في سوريا.
عاد بعدها ليكمل مسيرته الجهادية في الدفاع عن أرضه وعرضه، ومواجهة تنظيم داعش، الذي سيطر على عدد من المحافظات العراقية.
شارك في معارك شرسة ضمن محور بغداد وأطراف الأنبار، وكانت معركة الكرمة من أبرز المحطات الأخيرة في مسيرته القتالية.
تُعد الكرمة من أصعب المعارك التي خاضها المقاتلون العراقيون ضد تنظيم داعش الإرهابي. فلم تكن معركة واحدة، بل سلسلة من العمليات العسكرية التي امتدت لأشهر طويلة، وشهدت تقدما وتراجعا وهجمات مضادة بين المقاتلين العراقيين من جهة، والتنظيم الإرهابي من جهة أخرى.
تحولت المنطقة إلى ساحة قتال استراتيجية بسبب موقعها القريب من العاصمة بغداد، إذ استخدمها التنظيم لمحاولة عزل الفلوجة، وجعلها منطلقا لهجماته الإرهابية على بغداد.
كانت المعارك شديدة الصعوبة بسبب طبيعة القتال داخل المناطق السكنية والقرى الزراعية المنتشرة، واستخدم تنظيم داعش أساليب متعددة لمواجهة القوات العراقية، منها السيارات المفخخة والعبوات الناسفة والهجمات المباغتة والمنازل المفخخة، فضلاً عن استخدام المدنيين الأبرياء دروعاً بشرية.
كانت الكرمة إحدى العقبات الأساسية التي واجهت المقاتلين والقوات الأمنية في مساعيهم لاستعادة السيطرة على محيط الفلوجة وأطرافها، وتأمين المناطق التي استغلها التنظيم لتنفيذ هجماته الإرهابية.
وفي الرابع والعشرين من تموز عام 2014، ارتقى أثير برفقة ابن عمه الشهيد علاء الكعبي، الملقب بـ«علاء الدب»، إثر انفجار عبوة ناسفة في المنطقة الرابطة بين ذراع دجلة والكرمة.
كانت العبوة عبارة عن قطع صغيرة من حديد التسليح، نُصبت بعناية لتسبب أكبر قدر ممكن من الأضرار والموت المحقق .
وهكذا انتهت رحلة أثير في ميادين القتال، لكن الأسئلة التي تركها خلفه لم تنتهِ. رحل الرجل الذي كان يعيل أسرته، وترك طفلين فقدا أباهما، وعائلة فقدت سندها.
يا أثير، لم تكن تملك ثروة تضمن مستقبل عائلتك، ولا حياة مترفة تحميك من قسوة الأيام، لكنك امتلكت إيماناً بما كنت تقاتل من أجله، ومضيت في طريق اخترته بإرادتك. ويبقى السؤال الذي افتتحنا به هذه الحكاية معلقا: ماذا أعطاك الوطن، وماذا أخذت منك التضحية؟
فسلام على أثير الطيب يوم آمن بوطنه، ويوم مضى دفاعاً عنه، ويوم بقيت تضحيته شاهدة على رجال قالوا ففعلوا.




