الأحد - 25 اكتوبر 2026
منذ ساعتين
الأحد - 25 اكتوبر 2026

رياض الفرطوسي ||

 

 

 

كانت باريس في أيار 1968 تملك ما تتمناه أي ساحة في العالم: طلاب يقرؤون، وعمال تحميهم نقابات عريقة، وفلاسفة نزلوا من مكاتبهم إلى الرصيف، وبلد هو أم الثورات الحديثة وله مقعد دائم في مجلس الأمن. ومع ذلك احترقت السيارات، وتسلل المشاغبون إلى صفوف المحتجين، وبدا لأيام أن الجمهورية ذاهبة إلى حرب أهلية، حتى غادر رئيسها (شارل ديغول، قائد فرنسا الحرة ومحرر باريس من النازية) العاصمة سراً إلى ألمانيا ليطمئن على ولاء جيشه. ثم انتهى الأمر بانتخابات اكتسحها أنصاره، وخرج من الحكم بعد أقل من عام بسبب استفتاء خسره، لا بسبب الشارع.

كتب ريمون آرون (مفكر فرنسي ليبرالي، أستاذ في السوربون) عن تلك الأيام كتاباً سماه “الثورة المفقودة”، ورأى فيها مسرحاً نفسياً كبيراً أكثر مما رأى انقلاباً في بنية الحكم. الشارع الذي هزّ فرنسا لم يكن يحمل مسودة للغد. كان يحمل غضباً جميلاً بلا خريطة.

فإذا كانت باريس بكل ما فيها انتهت إلى هذا، فماذا نتوقع نحن حين تمتلئ ساحاتنا؟

لاحظ أولاً أن أحداً في باريس لم يتساءل عمّن يدفع أجرة الحضور، أما عندنا فالسؤال يُهمس به في كل ساحة، وهذا وحده يقول شيئاً عن مناخ الثقة. ولاحظ الهتافات: جمل مستعارة من مواسم سابقة، يرددها أصحابها كما تُردد أغنية قديمة، وبعض الوجوه ملثمة. المحروم الحقيقي لا يحتاج إلى مكبر صوت، فالوجع الصادق يُقال بصوت منخفض ويصل، وتصله الأذن الحية حتى لو حمل الحماس نبرة عالية. وقد يخرج أحدهم من بيته في مدينة أوروبية هادئة إلى احتجاج مرخص، فيجد اللافتة مكتوبة بجملة كاملة، والغاضب فيها يعرف ما يطلب ولمن يطلب.

وهنا أطرح فرضية قد تزعج: أن المتظاهر يتظاهر على نفسه أكثر مما يتظاهر على أحد.

الطبقة السياسية لم تنزل من السماء، هي ابنة هذه المحلة وهذه العشيرة وهذا البيت. السياسة ثمرة ثقافة المجتمع، والمجتمع الذي يريد أن يغيّر ثمرته عليه أن ينظر في جذره. وهؤلاء الذين يملؤون الساحات، ولا أعمم فبينهم من يحمل وجعاً صادقاً، هم أنفسهم من يطرقون أبواب زعماء الإقطاعيات السياسية طلباً لمنصب أو توصية أو بركة، وهم أنفسهم من يبيعون أصواتهم في الاقتراع بمدفأة في الشتاء ومروحة في الصيف وثلاجة قبل الانتخاب. إنهم الحاضنة التي نبت فيها النظام الذي يعترضون عليه. والفساد الذي يريدون الانتفاض عليه يحتاج إلى بيئة تغذيه، والبيئة هي المجتمع بعاداته وولاءاته المتناقضة.

كتب إريك هوفر (عامل ميناء أمريكي صار من أبرز مفكري الحركات الجماهيرية) في “المؤمن الصادق” أن الحركات الكبرى تجتذب أول ما تجتذب أناساً ضاقوا بأنفسهم قبل أن يضيقوا بالنظام، فيبحثون في الجموع عن شيء يحملهم. وفي “النظام القديم والثورة” بيّن ألكسي دو توكفيل (مفكر فرنسي من القرن التاسع عشر) أن الثورة الفرنسية بعد كل ضجيجها أعادت بناء الدولة المركزية التي ثارت عليها، بعادات الحكم نفسها. فإسقاط الحاكم لا يُسقط عادة الحكم، والعادة تسكن في الناس قبل أن تسكن في القصور.

تأتي بعد ذلك رواية “الموت حباً” للروائي بيار دوشين، وهي تمشي في الجهة الخلفية من صخب تلك الأيام. تقع معلمة اسمها دانيال في حب تلميذها جيرار وسط الحرائق والهتافات، وهما لا يريدان الاستيلاء على السلطة بل يريدان تفكيك فكرتها من الطرفين. فيقف الجميع ضدهما: أنصار النظام وأنصار الثورة، الشرطة والقضاة والأطباء، وحتى والد الفتى. المعركة في الشارع شيء، والمعركة في الغرف الخلفية شيء آخر. وهذا ما يقوله الأدب حين يتجاوز الساحة: الجموع على الجهتين قد تتفق على أن تبقى السلطة، وتختلف فقط على من يجلس عليها.

وقالت حنة أرندت (فيلسوفة ألمانية أمريكية، صاحبة كتاب “في الثورة”) إن الثورة بداية قصة لم تُروَ من قبل. والقصة تحتاج إلى كاتب يعرف ماذا سيضع في صفحتها الأولى، وأكثر الساحات لا تحمل مسودة ليوم الغد.

لذلك يحتاج العراق إلى ثورة من نوع آخر، أهدأ وأطول وأقل صخباً، ثورة في الوعي على الجهل والتخلف تبدأ من البيت والمدرسة والصندوق. حين يتغير ما يُباع عند الاقتراع، وما يُطلب في المقابلات، وما يُسكت عنه داخل الأسر، ستكتشف الساحات أنها لم تعد بحاجة إلى الصراخ.