الأحد - 25 اكتوبر 2026

مصر تتحرك لأجل الرياض.. فمن تحرّك لأجل غزة حين كانت تحترق؟!

منذ ساعتين
الأحد - 25 اكتوبر 2026

 الدكتور قحطان الظالمي – صحفي ||

 

 

 

لم تكن غزة وهي تواجه القصف والدمار والجوع بحاجة إلى بيانات تضامن جديدة بقدر حاجتها إلى موقف عربي يرتقي إلى حجم المأساة ولم يكن أطفالها ينتظرون خطابات القمم بل كانوا ينتظرون الغذاء والدواء والحماية فيما كانت صور الدمار تتنقل من شاشات التلفاز إلى ضمائر الشعوب وتضع الحكومات العربية أمام سؤال لا يمكن الهروب منه أين تقف المسؤولية العربية عندما يصبح بقاء شعب بأكمله مهدداً؟

واليوم، مع إعلان القاهرة استعدادها لتقديم الدعم اللازم للسعودية في مواجهة التصعيد مع حركة أنصار الله الحوثيين في اليمن يعود السؤال بصورة أكثر إلحاحاً: لماذا تبدو الاستجابة العربية للدفاع عن أمن الدول أكثر وضوحاً وسرعة من الاستجابة لحماية الفلسطينيين من آلة الحرب الإسرائيلية؟

هذا السؤال ليس إنكاراً لحق الدول في حماية أمنها ولا تقليلاً من خطورة استهداف المدنيين والمنشآت بل هو مطالبة بمعيار واحد للمسؤولية العربية معيار لا يجعل التضامن قوياً حين يتعلق الأمر بالمصالح والتحالفات وضعيفاً حين يتعلق الأمر بدماء الفلسطينيين وحقوقهم.

فالأمن العربي لا ينبغي أن يكون انتقائياً وكرامة الإنسان العربي لا تتجزأ بين عاصمة وأخرى كما أن القضية الفلسطينية لا يجوز أن تتحول إلى بند ثانوي في حسابات السياسة الإقليمية.

في السابع عشر من أكتوبر/تشرين الأول 2026 أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي استعداد بلاده لاتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن السعودية إذا طلبت الرياض ذلك ثم أعلن مجلس النواب المصري تأجيل التصويت على تفويض محتمل للمشاركة العسكرية إلى 26 أكتوبر لاستكمال المداولات.

هنا تتقدم المقارنة إلى الواجهة: حين تتعرض السعودية لهجمات الحوثيين تتحرك القاهرة وتبحث إمكانية تقديم دعم دفاعي لكن حين كانت غزة تتعرض للقصف الإسرائيلي كان السؤال الفلسطيني الأكثر إلحاحاً أين الضغط العربي القادر على فرض وقف الحرب وتأمين المساعدات وحماية المدنيين؟

إن المسألة ليست أن تقف مصر مع السعودية أو ضدها وليست أن يُترك اليمنيون والسعوديون لمصيرهم بل أن تكون للفلسطينيين المكانة نفسها في الحسابات العربية وأن تتحول بيانات التضامن معهم إلى أدوات ضغط حقيقية.

لا يمكن إنكار الدور المصري في القضية الفلسطينية فقد استضافت القاهرة مفاوضات لوقف إطلاق النار وأسهمت في جهود الوساطة ونسقت عبر الهلال الأحمر المصري إدخال المساعدات وإجلاء الجرحى. كما أعلنت السلطات المصرية في سبتمبر/أيلول 2026 وصول قافلة المساعدات رقم 272 ضمن مبادرة «زاد العزة».

لكن الاعتراف بهذه الجهود لا يمنع طرح الأسئلة الصعبة هل كان الضغط السياسي والدبلوماسي كافياً لوقف معاناة سكان غزة؟ وهل استُخدمت العلاقات المصرية الدولية والإقليمية بكل ما تسمح به من أدوات لإلزام إسرائيل بفتح المعابر وإدخال الغذاء والدواء؟ وما الذي يمكن للقاهرة أن تفعله أكثر لمنع تجدد المأساة؟

تكتسب هذه الأسئلة أهميتها من موقع مصر الجغرافي والسياسي ومن حدودها المشتركة مع قطاع غزة ومن دورها التاريخي في الوساطة الفلسطينية فالمسؤولية هنا لا تعني تحميل مصر وحدها نتائج حرب تملك إسرائيل فيها القوة العسكرية والسيطرة على منافذ رئيسية وإنما مساءلة الدور الذي تستطيع القاهرة أداءه ضمن إمكاناتها وقياسه بما تحقق فعلياً على الأرض.

إن المطلوب ليس مجرد استمرار القوافل بل استراتيجية عربية متكاملة تربط المساعدات الإنسانية بضغط سياسي مستمر وتمنع استخدام التجويع والحرمان من العلاج ومعاقبة المدنيين.

على الجانب الآخر أعادت المواجهة المتجددة بين الحوثيين والسعودية وضع اليمن في قلب المعادلة الإقليمية وتشير تقارير صحفية إلى أن الحوثيين حافظوا على قدرات عسكرية مؤثرة واستخدموا الصواريخ والطائرات المسيّرة في هجمات على أهداف .

ومن منظور أنصار الحوثيين يُقدم استمرارهم في القتال رغم الضغوط والهجمات بوصفه دليلاً على الصمود وعدم الخضوع أما خصومهم فيرون في هجماتهم تهديداً لأمن السعودية والمنشآت المدنية والملاحة وبين الروايتين ينبغي التمييز بين القدرة على مواصلة القتال وبين تحقيق نصر استراتيجي نهائي.

لقد أظهر الحوثيون قدرة على إبقاء المواجهة مفتوحة وإرباك خصومهم لكن وصفهم بأنهم «أذلّوا إسرائيل» أو هزموا خصومهم بصورة حاسمة يحتاج إلى تحديد الوقائع العسكرية والسياسية التي يستند إليها هذا الحكم. فالصمود العسكري ليس وحده معيار النصر كما أن استمرار الحرب لا يعني أن المدنيين لم يدفعوا ثمناً باهظاً.

ولا يجوز أن يتحول الحديث عن شجاعة المقاتلين إلى تجاهل معاناة اليمنيين الذين أنهكتهم سنوات الحرب أو أن يُستخدم الدفاع عن المدنيين في بلد لتبرير تعريض المدنيين في بلد آخر للخطر فالإنصاف الذي نطالب به لغزة يجب أن يشمل اليمن أيضاً.

تكشف التطورات الأخيرة أن حسابات الأمن القومي والتحالفات والمصالح الاقتصادية تؤدي دوراً مهماً في قرارات الدول فالسعودية شريك اقتصادي واستراتيجي لمصر والاضطرابات في البحر الأحمر وباب المندب تمس حركة التجارة وإيرادات قناة السويس وأمن الطاقة وقد أكدت القاهرة في مواقفها الأخيرة الجمع بين دعم أمن السعودية والسعي إلى تسوية سياسية في اليمن.

لكن هذه الحقيقة تضع النظام العربي أمام اختبار أخلاقي وسياسي إذا كانت المصالح الاقتصادية والأمنية كافية لتحريك الجهود من أجل حماية حدود دولة عربية فلماذا لا تتولد إرادة مماثلة عندما تكون حياة ملايين الفلسطينيين وحقوقهم ومستقبلهم مهددة؟

ليس من الواقعي مطالبة كل دولة بخوض حرب جديدة ولا من الحكمة تجاهل مخاطر التصعيد الإقليمي لكن بين الحرب والصمت مساحة واسعة من العمل السياسي العقوبات والإجراءات الدبلوماسية وتوحيد المواقف العربية والضغط من أجل وقف إطلاق النار ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وتأمين وصول المساعدات بلا عوائق.

وهذه الأدوات لا تحتاج بالضرورة إلى دخول حرب مباشرة بل تحتاج إلى إرادة سياسية وتنسيق عربي واضح.

إن جوهر المشكلة ليس في مساندة السعودية عندما تتعرض للتهديد بل في غياب معيار موحد يجعل حياة الإنسان العربي وكرامته أولوية أياً كانت أرضه أو هويته أو موقعه في خريطة التحالفات.

فإذا كان أمن السعودية مسؤولية عربية فإن حماية الفلسطينيين من القتل والتجويع والتهجير مسؤولية لا تقل أهمية وإذا كانت القاهرة تبحث اليوم سبل مساندة الرياض فإن من حق الشعوب العربية أن تسأل عن الأدوات التي ستستخدمها مصر والدول العربية لوقف الانتهاكات في غزة وضمان إعادة الإعمار ومنع فرض واقع دائم من التهجير والحرمان.

وليس المقصود أن تتخلى مصر عن السعودية أو أن تتخلى السعودية عن أمنها بل أن تتسع المسؤولية العربية لتشمل الجميع وأن تتحول القضية الفلسطينية من ملف تُستدعى أهميته في الخطب إلى أولوية دائمة في القرار السياسي.

فالعروبة لا تُقاس بعدد الاجتماعات ولا بقوة البيانات بل بقدرة الدول على حماية الإنسان وصون كرامته.

ستبقى غزة امتحاناً حقيقياً للسياسة العربية مثلما سيبقى اليمن امتحاناً لقدرة المنطقة على الخروج من دوامة الحروب ولن يكون الصمود وحده كافياً لبناء السلام ولن تكون التحالفات العسكرية وحدها قادرة على صناعة الاستقرار ما لم تُعالج جذور الصراع وتحترم حقوق الشعوب.

لقد أثبتت التطورات أن الدول تستطيع التحرك حين ترى مصالحها وأمنها مهددين والسؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحاً أمام القاهرة والرياض وسائر العواصم العربية هو لماذا لا تتحول هذه القدرة على التحرك إلى موقف جماعي أكثر فاعلية لحماية الفلسطينيين وإنهاء معاناتهم وضمان حقهم في الحرية والحياة؟

غزة لا تطلب من العرب أن يفتحوا حرباً جديدة بل أن يفتحوا طريقاً حقيقياً لإنهاء الحرب عليها لا تطلب شعارات إضافية بل حماية ومساعدات وضغطاً سياسياً لا يتوقف عند حدود التصريحات.

فحين تتحرك العواصم لحماية مصالحها يصبح السؤال عن غزة سؤالاً عن الضمير والمسؤولية معاً هل تكون فلسطين أولوية عربية فعلية أم تبقى قضية عادلة يتقدمها الكلام وتتأخر عنها الأفعال؟