الخميس - 22 اكتوبر 2026

بين خبز الحصير وجوع الحرير.. حكاية زمنٍ شبع فيه الجسد وجاعت الروح..!

منذ 10 ساعات
الخميس - 22 اكتوبر 2026

✍️ مروج العبيدي ||

في بيوت الأمس، كان الحصير يمتد على الأرض كأنه وطن صغير تجتمع حوله أرواح متعانقة …. وقلوب لا تحتاج إلى موعد كي تلتقي… كانت الأرغفة تقسم بالأيدي، لا بالموازين وتنتقل اللقمة من طبق إلى آخر محملة ببركات الألفة التي تجاوزت معنى الطعام.
مائدة غنية بمن التف حولها .. لا بما ملأ صحنها، فثمة فقر لا تسده الموائد العامرة، وغنى لا تصنعه القصور …وما بينهما حكاية إنسان تغيرت ملامح حياته حين تبدلت الأشياء من حوله، وربما تبدّل معها دون أن يشعر.
تغيّر الزمن، واتّسعت البيوت وتنوعت الأطباق وصارت الموائد أكثر أناقة وأصبحت الأجهزة الذكية ضيوفا دائمين لا ينتظرون دعوة..فلم يعد للحصير ضرورة ولا للرغيف المشترك وجود.
صرنا نضع الهواتف إلى جانب الصحون، ثم نرفع أبصارنا عن بعضنا البعض لنحدق في شاشات بعيدة قتلت فينا الروح وأحيت وسع المسافات بين هشاشة الوجود و رصانة الواقع.
صرنا نتبادل الصور بدل الذكريات… والرسائل بدل الأحاديث.. و الرموز التعبيرية بدل المشاعر التي كانت تفهم من نبرة صوت ، نظرة عين أو لمسة يد.
هل فقدنا بساطة الأمس، أم فقدنا قدرتنا على أن نكون معا في احضان الواقع!!؟؟
لم يكن الحصير يوماً سرّ الألفة، و لا الحرير سبب الغربة… فالإنسان يستطيع أن يصنع من أفخم الموائد مجلسًا للمحبة، ومن أبسط الأماكن وطنًا للحنين… لكنّ المأساة تبدأ حين نخلط بين امتلاك الأشياء والقدرة على الاستمتاع بها..بين الاتصال بالآخرين وبين الشعور بهم … وبين وفرة الطعام و وفرة الحياة.
لقد تعلّمنا كيف نزيّن موائدنا، لكن هل تعلّمنا كيف نحفظ دفء الجلسة؟
أتقنّا فنون التواصل، لكن هل بقينا نُحسن الإصغاء؟
أسئلة لا تُدين الحاضر ولا تقدّس الماضي، بل تدعونا إلى أن ننظر إلى التحوّل بعينٍ لا تخدعها زينة الأشياء ولا يعميها الحنين.
جل ما نخشاه ليس أن يأتي يومٌ نفتقد فيه الحصير، بل أن يأتي يومٌ نمتلك فيه كلّ شيء ثم نفتش في ذاكرتنا عن صوتٍ ينادينا إلى المائدة، فلا نجد سوى إشعارٍ مضيءٍ على شاشةٍ باردة.