إيران وأميركا وإسرائيل : حافة الانفجار .؟
طه حسن الأركوازي ||

ليست الحروب الكُبرى تلك التي تبدأ بإطلاق الصواريخ وقصف الطائرات فحسب ، بل تلك التي تتراكم مُقدماتها حين تعجز السياسة عن إنتاج تسوية ، وتتحول القوة من وسيلة للردع إلى أداة لفرض الإرادة ، وفي المواجهة “الأميركية – الإسرائيلية مع إيران” يبدو الشرق الأوسط مُجدداً أمام مُعادلة خطرة ، تهديدات عسكرية مُتصاعدة ، وضغوط أقتصادية خانقة ، ومُفاوضات مُتعثرة ، وأستعدادات ميدانية تجعل أحتمالات تجدُد الحرب حاضرة ، وإن لم تكن الضربة الوشيكة حقيقة مُؤكدة .
المشهد الراهن لا يمكن قراءته من خلال التصريحات وحدها ، فالحشد العسكري ، والتلويح بضرب المُنشآت النووية والعسكرية ، والحديث عن عمليات واسعة جميعها أدوات ضغط قد تستهدف أنتزاع تنازلات تفاوضية ، لكنها قد تتحول أيضاً إلى مُقدمات لمُواجهة يصعب ضبط مسارها ، وفي المُقابل تُراهن طهران بقُدرتها على رفع كُلفة الحرب مُستندة إلى قُدراتها الصاروخية ، وموقعها الجغرافي ، وأوراق التأثير في أمن المنطقة والملاحة الدولية .
وبين الرهانين تتسع مساحة سوء التقدير حيثُ قد يُفسر التحرك الدفاعي بأعتباره أستعداداً للهجوم ، ويُقرأ التراجع التكتيكي بوصفه ضُعفاً يستدعي مزيداً من الضغط .
المُعضلة الأساسية أن واشنطن وتل أبيب تنظران إلى البرنامج النووي الإيراني والقُدرات العسكرية المُرتبطة به بأعتبارهما تهديداً أستراتيجياً ، بينما ترى طهران أن التخلي عن أوراق قوتها تحت التهديد قد يتركها مكشوفة أمام خصومها ، غير أن الاعتبارات الأمنية مهما كانت مشروعة لا تمنح أي طرف تفويضاً مفتوحاً لتوسيع الحرب أو تجاهل كُلفتها الإنسانية والقانونية ، كما أن حق إيران في حماية سيادتها لا يعفيها من مسؤولية تجنب أستهداف المدنيين وتهديد دول الجوار والملاحة الدولية .
هنا تتجاوز الأزمة حدود البرنامج النووي لتلامس سؤالاً أعمق هو هل تستطيع القوة العسكرية إنتاج أمن مُستدام ، أم أنها تؤجل الصراع وتُعيد تشكيله بشروط أكثر خطورة .؟
فتدمير المنشآت قد يُعطل قدرات ، لكنه لا يضمن إنهاء المعرفة العلمية أو إزالة دوافع الخصومة ، مثلما أن أمتلاك وسائل الردع لا يمنح صاحبه حصانة من الانهيار الاقتصادي أو الاستنزاف الداخلي ، والحروب في كثير من الأحيان قد تنجح في تغيير موازين القوة ، لكنها تفشل في صناعة نظام سياسي وأمني مُستقر .
وتقدم تجارب دول خرجت من حروب مدمرة درساً يستحق التأمل ، فقد شهدت مُجتمعات أنهيار مُؤسساتها ، وتفكك بنُيتها الاقتصادية ، ونزوح ملايين من أبنائها ، ثم بدأت العودة تدريجياً عبر إعادة بناء الإدارة ، وأستعادة الخدمات ، وإصلاح المُؤسسات ، وفتح المجال أمام الاستثمار والعمل ، لم يكن الركام وحده هو المشكلة ، بل ما سبقه من أختلالات وما تلاه من قرارات ، كما أن التعافي لم يكن سريعاً أو كاملاً ، فبعض الدول إستعاد جانباً من حياته ، فيما بقيت أخرى أسيرة الانقسامات والتدخلات وضعف المؤسسات .
والدرس هنا أن تدمير القدرات العسكرية لا يساوي بناء السلام ، وأن إعادة الإعمار لا تبدأ بالإسمنت وحده ، بل بأستعادة الثقة والقانون والاقتصاد المنتج ، وهذا ما ينبغي أن يحضر في أي حسابات تتعلق بإيران والمنطقة ، ماذا بعد الضربة .؟
ومن سيتحمل كلفة الانهيار .؟
وكيف يُمكن منع أتساع المواجهة إلى دول لا تملك قرار الحرب ، لكنها ستدفع ثمنها من أمنها واقتصادها واستقرار مجتمعاتها .؟
أما العراق ، بحكم موقعه الجغرافي وتشابك مصالحه وعلاقاته ، فلا يستطيع التعامل مع هذا التصعيد بأعتباره مشهداً بعيداً عنه ، فأي مُواجهة واسعة قد تضغط على أمنه ، وتزيد هشاشة أقتصاده ، وتضع سيادته أمام أختبارات جديدة ، ولذلك فإن مصلحته تقتضي تحصين قراره الوطني ، ومنع أستخدام أراضيه ساحة لتصفية الحسابات ، والتمسك بمبدأ حصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة .
ختاماً .. ليست المُواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل مُجرد تبادل للتهديدات ، بل حرب باردة تتخللها مواجهات ساخنة ، تتصارع فيها الإرادات على الردع والنفوذ وشروط التسوية ، وقد يكون التصعيد وسيلة لتحسين شروط التفاوض ، لكنه قد يتحول إلى فخ إذا أعتقد كُل طرف أن الآخر سيتراجع أولاً .
إن الاختبار الحقيقي ليس فيمن يستطيع توجيه الضربة الأقوى ، بل فيمن يستطيع منع تحوّل القوة إلى حرب مفتوحة ، فالتسوية المُتوازنة التي تُعالج المخاوف النووية والأمنية ، وتربط الالتزامات بضمانات قابلة للتحقق ، وتفتح مساراً لتخفيف التصعيد والعقوبات ، ليست تنازلاً بالضرورة ، بل قد تكون الخيار الأقل كُلفة للجميع .
أما استمرار سياسة حافة الهاوية ، فقد يجعل قرار الحرب أسهل من قرار إيقافها ، وعندها لن يكون الركام نهاية المواجهة ، بل بداية أزمة أشد تعقيداً …!




