السلم المجتمعي بين التعبير والقانون..!
عبد الزهرة محمد الهنداوي ||

بتقديري، وبحسب معرفتي المتواضعة بمجريات الاحداث، والاطلاع على مستوى وسقوف الحريات الصحفية، والتعبير الحر عن الرأي، اجد ان العراق يتمتع باعلى هذه السقوف اذا ما قورن مع اي دولة من دول المنطقة والاقليم، لدرجة اننا نجد حالنا نتحرك من دون سقوف ولا ادنى محددات!!
وكما هو معلوم، ان الدول التي تسعى إلى ترسيخ مؤسساتها وتعزيز استقرارها، لا يمكن النظر إلى حرية التعبير وسيادة القانون بوصفهما مسارين متعارضين، بل إن العلاقة بينهما تمثل أحد الاختبارات الأساسية لقدرة الدولة على إدارة الاختلافات وحماية المجتمع.
ذلك لأن الرأي والإعلام حق دستوري أصيل، لكن هذا الحق، شأنه شأن سائر الحقوق، لا يعني إباحة التحريض على العنف والاقتتال الداخلي أو التهديد باستخدام السلاح خارج إطار المؤسسات الشرعية.
من هذا المنطلق، يمكن القول ان مسؤولية الدولة تتلخص في حماية السلم المجتمعي، وترسيخ مبدأ خضوع الجميع للقانون، ومنع تحول الخطاب الإعلامي إلى وسيلة لتأجيج الصراعات أو تهديد الاستقرار الداخلي.
ففي الوقت الذي تكفل الدولة حرية التعبير، فانها مطالبة باتخاذ الإجراءات القانونية إزاء الأفعال التي تنطوي على تحريض جرمي أو تهديد لأمن المواطنين، شريطة أن تستند تلك الإجراءات إلى وقائع وأدلة وأحكام قانونية واضحة.
إن خطورة التحريض تكمن في ما قد تحمله من دعوات قد تؤدي إلى الاقتتال، – لاسمح الله- أو تشجيع على استخدام القوة، أو تعبئة للمجتمع باتجاه مواجهات تهدد أمنه ووحدته، وهنا تبرز أهمية التمييز بين الخطاب السياسي، مهما بلغت حدته، وبين الخطاب الذي يتجاوز حدود التعبير إلى التحريض على أفعال يعاقب عليها القانون، فهذا التمييز من شأنه ان يحمي حرية الإعلام من جهة، ويحمي المجتمع من جهة أخرى، ويحول دون استخدام الحقوق الدستورية غطاءً لأفعال تمس أمن المواطنين واستقرار البلد.
وتكتسب الإشارة هنا إلى التشريعات العراقية أهمية في هذا السياق، باعتبارها إطاراً لتحديد الأفعال المحظورة والمسؤوليات المترتبة عليها، غير أن فاعلية القانون لا تقاس بصرامة النصوص وحدها، بل بعدالة تطبيقها، ودقة توصيف الوقائع، واستقلال الإجراءات القضائية عن التجاذبات السياسية والإعلامية، فالمساءلة القانونية ينبغي أن تقوم على الأدلة التي يتطلبها القانون، مع ضمان الحقوق والإجراءات المقررة لكل من يخضع للتحقيق أو المحاكمة.
لذلك فإن حماية السلم المجتمعي مسؤولية مشتركة، تبدأ من مؤسسات الدولة، وتمتد إلى القوى السياسية ووسائل الإعلام والنخب المجتمعية، فالإعلام المهني يؤدي دوراً أساسياً في كشف الأخطاء ومراقبة الأداء العام وإثراء النقاش الوطني، لكنه يؤدي هذا الدور بصورة أكثر فاعلية حين يلتزم الدقة والمسؤولية ويتجنب تحويل الخلافات إلى دعوات للمواجهة والعنف.
في النهاية، تبقى المعادلة قائمة على ركيزتين متلازمتين.. حرية التعبير حق لا يجوز التفريط به، وسيادة القانون مبدأ لا يجوز الانتقاص منه، وبينهما تتحدد مسؤولية الدولة في حماية الحقوق، ومواجهة التحريض الجرمي، فالدولة القوية هي التي تدير الاختلاف بالقانون، وتحمي حرية مواطنيها.




