الخميس - 22 اكتوبر 2026

السكك الحديد العراقية نموذجا للأصلاح الأقتصادي… كيف تتحول الشركة من الخسارة إلى الربح؟!

منذ 26 دقيقة
الخميس - 22 اكتوبر 2026

المهندس يونس الكعبي ||
22 تشرين الأول 2026

 

 

 

بعد أن تناولنا في مقالنا السابق دراسة مبسطة عن الشركات الحكومية الخاسرة وأسلوب المعالجة بصورة عامة لهذه الشركات وتحويلها إلى شركات رابحة تسهم في دعم الأقتصاد الوطني ، نتناول اليوم واقع الشركة العامة للسكك الحديد العراقية كنموذج للشركات الخاسرة القابلة لتحويلها إلى شركة رابحة ، وتاتي هذه الاراء بعد خدمة في مجال السكك تجاوزت أكثر من ربع قرن وانتهت بتسلمنا أدارة هذه الشركة للأعوام 2022 -2024 .
أن أصلاح الشركة العامة للسكك الحديد العراقية يمكن أن يشكل نموذجاََ عملياََ لأعادة هيكلة الشركات الحكومية الخاسرة ، لأنها تمتلك أصولاََ أستراتيجية مهمة تتمثل في شبكة السكك الحديد والبنية التحتية والخبرات الفنية والموارد البشرية ، فضلاََ عن قدرتها على نقل البضائع والمسافرين وتقليل كلف النقل البري.
لكن التحول إلى شركة رابحة لا يتحقق بمجرد زيادة أسعار التذاكر أو تقليص عدد الموظفين ، بل يتطلب تغييراََ في فلسفة الأدارة ، فيجب التحول من مؤسسة تعتمد على الأنفاق الحكومي إلى شركة فاعلة في قطاع النقل والخدمات اللوجستية ، وتقاس معدلات نجاحها بالأيرادات المتحققة ، وكفاءة التشغيل ، وجودة الخدمة ، وأستثمار الأصول ، وتطوير الموارد البشرية.
والهدف الواقعي هو الوصول إلى تغطية النفقات التشغيلية بأيرادات الشركة ، ثم تحقيق فائض تشغيلي مستدام ، مع التمييز بين هذه النتيجة وبين كلفة تحديث البنية التحتية والمشاريع الأستثمارية الكبرى التي يجب أن تتحملها الدولة بأعتبارها أستثمارات أستراتيجية طويلة الأجل.

أولاََ: ماذا تقول الأرقام عن واقع الشركة؟
تكشف البيانات الرسمية الحكومية عن تراجع واضح في نشاط السكك الحديد خلال عام 2025 ، وهو ما يبرز أعادة النظر في أسلوب التشغيل والتسويق وأدارة الموارد.

مؤشرات عام 2025 مقارنة بعام 2024:
* أيرادات نقل البضائع: 11.307 مليار دينار ، بأنخفاض 26.3%.
* أيرادات نقل المسافرين: 2.224 مليار دينار بأنخفاض 17.9%.
* البضائع المنقولة 354 ألف طن ، بأنخفاض 27%.
* عدد المسافرين: 192 ألف مسافر ، بأنخفاض 22.6%.
تمثل الأرقام أعلاه أيرادات النشاطين أعلاه وليست صافي أرباح الشركة أو خسائرها ، كما لم تتوفر بيانات عن أيرادات النشاط غير النقل كالأملاك والرسوم المستوفاة وغيرها.
وتشير وثائق البنك الدولي إلى أن الشركة كانت تضم 3,569 موظفاََ في نهاية عام 2024 ، وأن دعمها الحكومي لم يكن مرتبطاََ بصورة كافية بأهداف تشغيلية قابلة للقياس. كما تتطلب الشبكة الحالية تحديثاََ للبنية التحتية وأنعدام نظام الأشارات وأعداد كبيرة من القاطرات والشاحنات المعطلة وعدم تكامل ورش الصيانة ومعامل التصليح ، فضلاََ عن تناقص الكوادر الفنية التخصصية نتيجة توقف معهد السكك عن تخريج دورات جديدة منذ عام 2006 ، وأحالة الكثير من الكوادر الفنية بالتخصصات النادرة على التقاعد بعد بلوغهم السن القانونية.
هذه المؤشرات لا تكفي وحدها للحكم على صافي الخسارة ، لكنها تكشف مشكلة أساسية ، هي تراجع حجم النشاط والأيرادات في وقت تحتاج فيه الشركة إلى أستثمارات كبيرة لتحديث شبكتها وأسطولها.

ثانياََ:خطة أصلاح الشركة وتحويلها إلى مشروع منتج:
1- تحويل نقل البضائع إلى النشاط التجاري الأول:
ينبغي أن يكون نقل البضائع محور الأصلاح ، لأنه يتيح تشغيل القطارات بكميات كبيرة وبعقود منتظمة مع الشركات والمؤسسات. وتبدأ الخطة بالتفاوض مع الجهات التالية:
* الموانيء العراقية ، ولا سيما ميناء أم قصر ، لنقل البضائع المستوردة إلى بغداد وباقي المحافظات خصوصا في المناطق الشمالية والغربية.
* وزارة التجارة لتحديد أحتياجات نقل الحبوب ومفردات البطاقة التموينية.
* وزارتي الصناعة والأسكان والأعمار والجهات المنفذة للمشاريع الكبرى ، لنقل الأسمنت والحديد والمواد الأنشائية.
* شركات النفط والبتروكيمياويات ، حيث تسمح طبيعة المواد والبنية التحتية ومتطلبات السلامة بذلك.
* شركات القطاع الخاص والمستوردين والمخازن الكبرى ، لتقديم عقود نقل منتظمة من الموانيء إلى مراكز التوزيع والمخازن.
ويجب أن تنتقل الشركة من أنتظار طلبات النقل إلى التسويق المباشر ، وتقديم أسعار تنافسية وعقود سنوية تتضمن كميات محددة ومواعيد تسليم واضحة.

2- أنشاء مركز تجاري ولوجستي في بغداد:
يمكن تطوير المحطات والأراضي والمخازن التي تسمح أوضاعها الفنية والقانونية بذلك إلى مراكز لوجستية تقدم خدمات التخزين والمناولة والتحميل والتفريغ ، وربطها بشبكات النقل البري. وبذلك لا تقتصر أيرادات الشركة على أجور القطارات ، بل تشمل أيضاََ أجور الخدمات اللوجستية وتأجير المساحات والمخازن وفق ضوابط شفافة.

3- أعادة تنظيم نقل المسافرين:
يحتاج نقل المسافرين إلى جدول رحلات منتظم ، وتحسين النظافة والتكييف والسلامة والحجز الألكتروني ، وتطوير خدمات المحطات. كما يمكن دراسة زيادة الرحلات على الخطوط التي يثبت وجود طلب فعلي عليها ، وتقديم أشتراكات للطلبة والموظفين ، وعقود نقل جماعي مع المؤسسات ، مع أعتماد تسعير يراعي كلفة الخدمة والقدرة الشرائية.
ولا ينبغي زيادة عدد الرحلات لمجرد زيادة الحركة ؛ بل يجب قياس إشغال المقاعد وأيراد الرحلة وكلفتها ، وإيقاف أو تعديل الرحلات التي تثبت دراسات الجدوى عدم جدواها.

4- أستثمار القاطرات والعربات والشاحنات والأصول المعطلة:
ينبغي إجراء جرد فني ومالي لكل القاطرات والعربات والشاحنات وباقي الوحدات المتحركة ، والورش والمحطات والأملاك ، وتصنيفها إلى أصول جاهزة للتشغيل ، وأصول قابلة للأصلاح ، وأصول يتجاوز أصلاحها قيمتها الأقتصادية.ويعطى التمويل الأولي للأصول التي يمكن أعادتها إلى الخدمة بسرعة وبكلفة معقولة ، مع توفير قطع الغيار والصيانة الوقائية وتحديد مسؤولية كل ورشة عن جاهزية القطارات والعربات.
كما يمكن إبرام شراكات فنية مع القطاع الخاص لصيانة بعض الأصول أو تشغيل الخدمات اللوجستية ، بشرط المنافسة والشفافية وحماية حقوق الدولة.

5- إصلاح الأدارة والموارد البشرية:
لا يبدأ الأصلاح بتسريح الموظفين ، بل بتحديد الأحتياجات الفعلية لكل نشاط ، ومقارنة أعداد العاملين بحجم التشغيل والأنتاج. ويجب ربط تقييم الأدارات بمؤشرات مثل إيرادات النقل ، وكلفة الطن المنقول ، وجاهزية القاطرات ، والألتزام بمواعيد الرحلات ، ونسبة الشكاوى ، وسلامة التشغيل.
كما ينبغي تدريب العاملين على تقنيات الصيانة والأشارات وأدارة الشحن والحجز الألكتروني ، وأعادة توزيع الموظفين حيث توجد حاجة فعلية ، مع حماية الحقوق القانونية للعاملين.

6- إنشاء حسابات مستقلة لكل نشاط:
يجب فصل الحسابات المالية لنقل البضائع عن نقل المسافرين ، والصيانة والورش ، والخدمات اللوجستية ، وتأجير الأصول. فهذا الفصل يكشف النشاط الذي يحقق فائضاََ والنشاط الذي يحتاج إلى دعم ، ويمنع أخفاء خسائر قطاع داخل إيرادات قطاع آخر.
كما يجب أن يتضمن كل عقد نقل حساباََ واضحاََ للأيراد والتكاليف المباشرة ، وأن تخضع المشتريات والعقود والتكاليف الأدارية للتدقيق والرقابة.

7- ربط الدعم الحكومي بنتائج قابلة للقياس:
يمكن للحكومة الأستمرار في تمويل الأستثمارات الضرورية للبنية التحتية والسلامة والتحديث ، لكن الدعم التشغيلي ينبغي أن يرتبط بخطة عمل محددة. وتشمل شروطه خفض كلفة التشغيل ، وزيادة حجم البضائع المنقولة ، وتحسين جاهزية القاطرات ، ورفع الأيرادات ، ونشر تقارير أداء دورية.
ولا ينبغي تحميل الشركة وحدها كلفة المشاريع الوطنية التي تنفذ لأغراض أستراتيجية أو أجتماعية ؛ بل يجب فصل تلك الألتزامات عن حسابات النشاط التجاري وأحتسابها بشفافية.

ثالثاََ: جدول زمني مقترح للأصلاح:
* المرحلة الأولى: التدقيق والتشخيص ، أول 3 أشهر: تدقيق الحسابات والأصول والموظفين وكلف التشغيل.
* المرحلة الثانية: أستعادة النشاط ، من 3 – 12 شهراََ: أستقطاب عقود الشحن ، وأصلاح الأصول الجاهزة ، وتحسين أنتظام الرحلات.
* المرحلة الثالثة: التوسع التجاري ، السنة الثانية: تطوير الخدمات اللوجستية وزيادة حجم الشحن وتوسيع الشراكات.
* المرحلة الرابعة: تثبيت الربحية التشغيلية ، السنة الثالثة: تغطية الأيرادات للتكاليف التشغيلية غير الرأسمالية ،وفق نتائج التدقيق.
هذه مدد مقترحة وليست توقعات مضمونة ؛ إذ تعتمد النتائج على حالة الشبكة ، وتوفر التمويل ، والطلب الفعلي على النقل ، والقدرة على تنفيذ الأصلاح.

ينبغي أعتماد لوحة مؤشرات شهرية وسنوية تشمل:
* نسبة نمو أيرادات نقل البضائع والمسافرين.
* عدد أطنان البضائع المنقولة ونسبة الألتزام بمواعيد التسليم.
* كلفة نقل الطن الواحد وأيراداته.
* نسبة جاهزية القاطرات والعربات والشاحنات.
* كلفة الرواتب والتشغيل مقارنة بالأيرادات التشغيلية.
* أيرادات الخدمات اللوجستية وتأجير الأصول.
* حجم الدعم الحكومي ، مع الفصل بين الدعم التشغيلي والأستثمار الرأسمالي.
* صافي النتيجة المالية بعد أحتساب التكاليف والأستهلاك والألتزامات وفق معايير محاسبية واضحة.
والهدف الأول من النقاط أعلاه هو الوصول إلى التعادل التشغيلي ، أبي تغطية أيرادات التشغيل لنفقاته ، ثم تحقيق فائض تشغيلي. أما صافي الربح المحاسبي فيحتاج إلى أحتساب جميع التكاليف ، بما فيها الأستهلاك والتمويل والألتزامات الأخرى.

خامساََ: فرصة طريق التنمية:
يمثل مشروع طريق التنمية فرصة أستراتيجية للسكك العراقية ، لكنه ليس حلاََ تلقائياََ لخسائرها. فنجاح الشركة يتطلب تأهيل الخطوط الحالية ، وتوفير القاطرات والعربات ، وتحديث الأشارات ، وبناء مراكز لوجستية ، وتوقيع عقود فعلية مع الموانيء والمستوردين والمصدرين.
ويستهدف مشروع تحديث السكك المدعوم من البنك الدولي تأهيل نحو 1,047 كم من الخطوط القائمة بين أم قصر والموصل مروراََ ببغداد وباقي المحافظات التي يمر بها خط السكة ، بما يعزز نقل البضائع والمسافرين. لكن يجب عدم أنتظار أكتمال المشاريع الكبرى للبدء بالأصلاحات ؛ إذ يمكن إطلاق خطة تجارية وتشغيلية عاجلة على الخطوط والأصول القابلة للعمل حالياََ.

أن تحويل الشركة العامة للسكك الحديد العراقية إلى شركة رابحة يبدأ من قرار أداري وأقتصادي واضح: التركيز على نقل البضائع ، وأستثمار الأصول ، وتحسين خدمة المسافرين ، وضبط التكاليف ، وربط الدعم بالنتائج.
والأهم هو إعداد دراسة مالية تفصيلية من داخل الشركة ، تستند إلى الحسابات المدققة وكلف التشغيل الفعلية ، لتحديد حجم التمويل المطلوب ونقطة التعادل والمدة الواقعية للوصول إلى الفائض التشغيلي.
فالسكك الحديد ليست مجرد وسيلة نقل ، بل أصل أقتصادي يمكن أن يخدم التجارة والصناعة والموانيء ، وأذا أُديرت بعقلية تجارية منضبطة ، مع أحتفاظ الدولة بدورها في التخطيط والرقابة والأستثمار الأستراتيجي ، فقد تصبح نموذجاََ لأصلاح الشركات الحكومية الأخرى في العراق.