من «الشرق الأوسط الجديد» إلى إعادة هندسة المنطقة..!
عدنان علامه – عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين

بعد عقود من الحروب والإنقلابات والإحتلالات والعقوبات والتدخلات الخارجية، تبدو منطقة الشرق الأوسط أمام مرحلة مختلفة: ليست حربًا واحدة، ولا أزمة منفردة، بل سلسلة من التطورات المتزامنة التي طالت فلسطين ولبنان وسوريا والعراق وإيران، وأعادت فتح سؤال جوهري: هل نحن أمام مجموعة أزمات منفصلة، أم أمام عملية أوسع لإعادة هندسة موازين القوة في المنطقة؟
فالحديث عن «مؤامرة» اليوم لا يحتاج إلى وثائق وأدلة لأن هناك غرفة عمليات واحدة وخطة موحدة تدار من داخل البيت “الأسود”.
لذا علينا دراسة تقاطع الأحداث والمصالح والنتائج لإثبات حقيقة المؤامرة .
أولًا: تفكيك مصادر القوة العسكرية
فمن فلسطين إلى لبنان وسوريا وإيران والعراق،؛ فقد تعرضت القدرات العسكرية لدول وقوى إقليمية لضربات مباشرة وغير مباشرة. والنتيجة السياسية الواضحة في عدد من هذه الساحات هي إعادة توزيع موازين القوة.
فالقاعدة الاستراتيجية بسيطة: إضعاف القوى العسكرية القادرة على الرد يرفع هامش الحركة للقوى الأكثر تفوقًا عسكريًا.
لكن يجب التمييز بين أمرين: وجود سياسات عسكرية متقاربة الأهداف، وبين إثبات أنها جميعًا جزء من خطة سرية واحدة وهي القضاء على كل الحركات الجهادية التي ترفض الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية.
ثانيًا: داعش وسؤال «صناعة الإرهاب»
لا يمكن التعامل مع تنظيم «داعش» باعتباره مجرد ظاهرة عابرة. فقد نشأ في بيئة صنعتها الحرب في العراق بعد عام 2003، وتداخل لاحقًا مع الحرب السورية وانهيار مؤسسات الدولة والصراعات الإقليمية.
وصف ترامب، خلال ترشحه لإنتخابات الرئاسة الأمريكية بتاريخ 11 أغسطس/ آب 2016، الرئيس باراك أوباما بأنه “مؤسس” تنظيم “الدولة الإسلامية”.
وقال ترامب أمام حشد من أنصاره الأربعاء في فلوريدا: “إنهم يقدرون الرئيس أوباما، إنه مؤسس تنظيم داعش”،
كما هاجم ترامب أيضا منافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون ووصفها بأنها “شريكة في تأسيس” التنظيم. فردت عليه باتهامه بأن “كلامه بذئ”.
وأصر ترامب على تعليقاته الخميس، قائلا إن أوباما وكلينتون هما “أكثر اللاعبين قيمة” بالنسبة لتنظيم “الدولة الإسلامية”.
والثابت أن سياسات الحرب والتدخل والفوضى الإقليمية ساهمت في خلق بيئة مكّنت التنظيمات التكفيرية من التوسع وأنها كانت أدوات مُدارة مباشرة من واشنطن.
ثالثًا: العقوبات تتحول إلى أداة جيوسياسية
فإيران تمثل النموذج الأكثر وضوحًا للعقوبات الاقتصادية الطويلة الأمد. فالضغط على الاقتصاد لا يستهدف السلاح وحده؛ بل يؤثر في العملة والطاقة والتجارة والطيران والاستثمار والقدرة على الحركة الإقليمية.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل العقوبات أداة لمنع الانتشار العسكري فقط، أم أصبحت جزءًا من استراتيجية أوسع لتغيير سلوك النظام وموازين القوة داخليًا وإقليميًا؟
الإجابة تختلف بحسب الجهة السياسية والقانونية التي ننظر من خلالها، لكن أثر العقوبات على الاقتصاد والمجتمع لا يمكن تجاهله.
رابعًا: سوريا… سقوط نظام وصعود سلطة جديدة
سوريا تقدم مثالًا شديد الحساسية على إعادة تشكيل المنطقة.
فأحمد الشرع، المعروف سابقًا بأبي محمد الجولاني، انتقل من قيادة تنظيم إرهابي مسلح إلى رئاسة المرحلة الانتقالية السورية بعد سقوط نظام بشار الأسد.
وقال الرئيس ترامب يوم الثلاثاء بتاريخ 16 حزيران /يونيو 2026، خلال حديثه للصحفيين على هامش قمة مجموعة السبع، أن “الرجل الذي يدير سوريا الآن” في إشارة إلى الرئيس الانتقالي أحمد الشرع(ابو محمد الجولاني القيادي السابق في جبهة النصرة وداعش الارهابيتين)، “قادر على مواجهة حزب الله بشكل جيد”.
وقال ترامب إنه “اقترح على إسرائيل” أن يتولى الشرع مسألة مواجهة حزب الله، واصفًا الرئيس السوري الإنتقالي بأنه “شخص عينته في هذا المنصب”.
وأضاف ترامب: “إنه ليس مثالياً، لكنه قام بعمل رائع في توحيد الصفوف، وهو قادر على التعامل مع حزب الله بشكل جيد جدًا. هو لا يحبهم”.
العلاقة بين واشنطن والسلطة السورية الجديدة تطورت لاحقًا، وصولًا إلى لقاء ترامب بالشرع في الرياض عام 2025.
في المقابل، رافق التحول السوري تحرك عسكري إسرائيلي واسع داخل الأراضي السورية، بما في ذلك السيطرة على مواقع في منطقة الجولان وتوسيع الانتشار في المنطقة العازلة، وهو ما أثار اعتراضات دولية وأممية.
وهنا يبرز السؤال: وقد أدى سقوط النظام السوري إلى فراغ استراتيجي استفادت منه إسرائيل لتوسيع هامشها العسكري وبموافقة الشرع وأمريكا تم تدمير الترسانة العسكرية السورية وبمشاركة أمريكية.
خامسًا: لبنان… المعركة على «حصرية السلاح»
وفي لبنان، انتقلت الأولوية السياسية بصورة متزايدة إلى ملف سلاح حزب الله وحصرية القوة المسلحة بيد الدولة.
المشكلة أن البحث في هذا الملف لا يمكن فصله عن حقيقة استمرار النزاع الحدودي والاحتلال الإسرائيلي لمناطق لبنانية محل نزاع، وعن الاعتداءات المتبادلة والواقع الأمني الذي نشأ بعد حرب 2024.
فطرح نزع سلاح قوة مسلحة في ظل استمرار تهديد خارجي يفتح سؤالًا دستوريًا وسياديًا وقانونيًا بالغ الحساسية:
هل يمكن بناء الأمن الوطني من خلال إزالة قدرة طرف داخلي على الرد، بينما يبقى مصدر التهديد الخارجي قائمًا؟
وفي المقابل، فإن القانون الدولي الإنساني وإتفاقيات جنيف والمواثيق الدولية تضمن حرية عمل الَمقاومة ضد الإحتلال والمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة تضمن ذلك أيضًا وهي تنص على التالي :
المادة 51
ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص الحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء “الأمم المتحدة” وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدولي، والتدابير التي اتخذها الأعضاء استعمالاً لحق الدفاع عن النفس تبلغ إلى المجلس فورا، ولا تؤثر تلك التدابير بأي حال فيما للمجلس – بمقتضى سلطته ومسؤولياته المستمرة من أحكام هذا الميثاق – من الحق في أن يتخذ في أي وقت ما يرى ضرورة لاتخاذه من الأعمال لحفظ السلم والأمن الدولي أو إعادته إلى نصابه.
سادسًا: فلسطين والتطبيع وإعادة رسم الإقليم
فإتفاقات التطبيع العربية الإسرائيلية، ولا سيما «اتفاقات أبراهام»، أعادت رسم العلاقات الإقليمية منذ 2020.
وتسعى الدولة العميقة إلى تنفيذ مشروع موحد ذات قطب أحادي تكون السيطرة العسكرية. والمالية لأمريكا وإسرائيل ؛ وأختلفت الأسماء للمشروع بين “الشرق الأوسط الجديد” أو «Pax Judaica» أو «إسرائيل الكبرى»
َمع طرح «الدين الإبراهيمي» كبديل للدين الإسلامي والمعتقدات الأخرى. وهناك بالفعل مشاريع ومبادرات للحوار والتعايش بين الأديان، أبرزها «بيت العائلة الإبراهيمية» في أبوظبي.
سابعًا: 27 أيلول 2024… لحظة تختصر التحول
اليوم تحل الذكرى الثانية للعدوان الوحشي الإسرائيلي الذي أدى إلى اغتيال شهيدنا الأسمى الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله في 27 أيلول 2024.
فالعدوان البربري جاء بعد أيام من تفجيرات أجهزة «البيجر» وأجهزة الاتصال اللاسلكي في لبنان في 17 و18 أيلول، والتي نسبت تقارير وتحقيقات واسعة تنفيذها إلى إسرائيل.
وقد تم استخدام أكثر من 80 طنًا من المتفجرات الأكثر سرعة وقوة في التدمير والتفجير، مما يؤكد إضافة «اليورانيوم المنضب» إلى معدن القنابل لزيادة الإختراق وإلى المتفجرات في الرأس المتفجر لزيادة القدرة التدميرية في الرؤوس المتفجرة والإحتراق.
ولم تقوم الدولة بواجباتها بأخذ عينات من التربة التي تغير لونها إلى الرمادي الغامق.
فالمنطقة شهدت تقاطعًا متزايدًا بين القوة العسكرية، والعقوبات الاقتصادية، والضغط السياسي، وإعادة تشكيل التحالفات، والتطبيع، وإعادة تعريف مصادر القوة داخل الدول.
والسؤال الاستراتيجي الحقيقي هو:
هل نحن أمام نتائج متراكمة لسياسات منفصلة، أم أمام عملية طويلة الأمد لإعادة توزيع القوة في الشرق الأوسط بحيث تصبح إسرائيل صاحبة التفوق العسكري والإقليمي، والولايات المتحدة صاحبة المظلة الاستراتيجية؟
فالوثائق، والخرائط التي يوزعها ترامب ونتنياهو، وتسلسل الأحداث، والاتفاقات السرية والعلنية، وحركة القوات، والقرارات الاقتصادية والسياسية تؤكد بشكل يقيني بأننا نعيش عصر تنفيذ “مشروع الشرق الأوسط الجديد” أو “مشروع إسرائيل الكبرى” أو “PAX JUDAICA”.
فالوقائع والأحداث المتراكمة والمتسارعة تثبت ذلك؛ ولكن لا بد من التذكير بقول الله سبحانه وتعالى : ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء_81] .
وإنَّ غدًا لناظره قريب
27 أيلول/سبتمبر 2026



