بين خشية بكين وهواجس واشنطن… هل تتفادى أمريكا والصين “فخ ثوسيديدس” ؟!
المهندس يونس الكعبي
26 أيلول 2026

في أروقة السياسة الدولية ، تحولت عبارة صاغها مؤرخ أغريقي قبل أكثر من 2400 عام إلى المنظار الرئيسي الذي يراقب من خلاله القادة والسياسيون مستقبل النظام العالمي ، “فخ ثوسيديدس Thucydides’ Trap ” هو التعبير الذي عاد للواجهة مجدداََ وبقوة ، عندما وجه الرئيس الصيني خطابه الشامل للشعب الأمريكي والرئيس ترامب ، مؤكداََ أن الحتمية التاريخية للصدام بين القوى العظمى ليست قدر محتوم ، وأن العالم يتسع للجميع لتجنب هذا الأنزلاق المأساوي.
فما هو هذا الفخ ؟ ومن أين أتت تسميته؟ وماهي الرسائل السياسية والدوافع الأستراتيجية التي تحملها الصين حين تستدعي روح التاريخ الأغريقي لتقنع به الشارع والأدارة الأمريكية؟
تعود جذور المصطلح إلى المؤرخ العسكري الأغريقي الشهير ثوسيديدس (460 – 400 ق . م) الذي وثق أحداث حرب البيلوبونيز التي أندلعت بين أسبارطة وأثينا ، وخصص ثوسيديدس مقولته الخالدة ليفسر سبب نشوب تلك الحرب المدمرة ، قائلاََ:
“إن ما جعل الحرب أمراََ لا مفر منه ، هو الأرتفاع المتزايد للقوة الأثينية ، وما أثاره ذلك من خوف وقلق لدى “أسبارطة”
أما الصياغة المعاصرة للمفهوم كنموذج علمي في العلاقات الدولية ، فتعود للبروفيسور غراهام أليسون (Graham Alison) بجامعة هارفرد عام 2012. ويُعرف فخ ثوسيديدس بأنه الديناميكية البنيوية الخطرة التي تنشأ عندما تهدد قوة صاعدة (مثل الصين) بأزاحة قوة مهيمنة وراسخة (مثل أمريكا).
وفي دراسة بحثية حافلة قام بها أليسون وفريقه في جامعة هارفرد لتاريخ ال 500 عام الماضية ، وجدوا 16 حالة تنافست فيها قوة صاعدة مع قوة مهيمنة قائمة ؛ أنتهت 12 حالة منها بحروب كبرى (مثل تنافس المانيا وبريطانيا قبل الحرب العالمية الأولى) ، بينما نجحت 4 حالات فقط في تجنب الحرب عبر الدبلوماسية والتكيف الأستراتيجي (مثل أنتقال الهيمنة العالمية من بريطانيا إلى الولايات المتحدة في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين).
لم يكن حديث الرئيس الصيني الموجه مباشرة للجمهور وواشنطن زلة لسان ، بل أختياراََ لغوياََ ودبلوماسياََ مدروساََ بعناية يحمل عدة أبعاد أستراتيجية:
* طمأنة واشنطن وتبديد الهلع الأستراتيجي ، بكين تريد بهذا التعبير لصناع القرار الأمريكي عن أنها لا تسعى للهيمنة الأقليمية أو الأطاحة بالنظام العالمي وأستبداله ، بل تطالب بالتكيف المتبادل. الخطاب الصيني ينطوي على رسالة مفادها نمونا ليس مؤامرة لتدميركم ، بل هو حق طبيعي لشعب يبلغ تعداده 1.4 مليار نسمة.
* رفض الحتمية التاريخية ، فالقيادة الصينية تصر على أن التاريخ ليس قدراََ محتوماََ وأن فخ ثوسيديدس ليس قانوناََ فيزياوياََ ، بل هو نتاج خيارات سياسية خاطئة وقراءة مغلوطة للطرف الآخر. ومن ثم ، فأن الوعي بوجود الفخ هو أول خطوات تجنبه.
* إلقاء الكرة في الملعب الأمريكي ، من خلال التركيز على أن عنصر الخوف لدى القوة المهيمنة هو المحرك الرئيسي للفخ ، ترسل الصين رسالة ضمنية للولايات المتحدة بأن مفتاح السلم العالمي بيد واشنطن نفسها ، فأذا تخلت عن عقيدة المجموع الصفري (Zero – sum game) وتقبلت واقع التعددية القطبية ، حينها يمكن تجنب الفخ أو الكارثة بصورة أدق.
* طرح البديل (نموذج جديد للعلاقات بين القوى العظمى) ، يدعو الخطاب الصيني دائماََ إلى بناء علاقات ترتكز على الأحترام المتبادل ، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية ، والتعايش السلمي ، والتعاون والمنفعة المشتركة. وترى بكين أن التحديات العالمية الكبرى (مثل التغير المناخي ، والأنتشار النووي ، والركود الأقتصادي) تتطلب الشراكة لا الصراع.
يبقى السؤال : بين النظريات والواقع ، هل يمكن تجاوز الفخ؟
يرى الخبراء الأستراتيجيون أن تجاوز هذا الفخ التاريخيّ في القرن الواحد والعشرين يتطلب خطوات عمل جادة تتجاوز البلاغة السياسية ، أهمها:
* أدارة الملفات الشائكة بحذر ، وبشكل خاص ملف تايوان ، والتنافس التكنولوجي ، وسيادة بحر الصين الجنوبي.
* إنشاء الخطوط الحمراء وآليات منع التصادم ، وتفعيل قنوات الأتصال العسكري والدبلوماسي المباشر لمنع الحوادث العرضية من التحول إلى مواجهة شاملة.
* الفصل بين التنافس الشريف والتدمير المتبادل ، من خلال قبول حقيقة أن واشنطن وبكين ستتنافسان أقتصادياََ وتكنولوجياََ ، دون أن يعني ذلك تحويل التنافس إلى صراع أيديولوجي أو وجودي ، ومنع الأنزلاق إلى مواجهة شاملة نتيجة هذا التنافس.
أن تحذير القيادة الصينية من فخ ثوسيديدس وخطابها المباشر للشعب والأدارة الأمريكية ليس مجرد تنظير أكاديمي ، بل هو جرس أنذار مبكر لخطورة المرحلة الراهنة.
أن التاريخ ليس مساراََ ميكانيكياََ محصوراََ في تجارب الماضي ؛ وأذا كان خوف أسبارطة وطموح أثينا قد قادا الأغريق إلى الدمار قديماََ ، فأن الأرادة السياسية والحكمة الدبلوماسية في القرن الحادي والعشرين كفيلتان بأثبات أن الأنسانية قادرة على كتابة صفحات مختلفة ، تتجاوز الفخاخ التاريخية وبناء مستقبلاََ متوازناََ للجميع.




