من طهران إلى بغداد.. من يملك القرار؟!
د. طالب الشوكة ||

لم تعد الطائرات الإيرانية التي اعتادت الهبوط في المطارات العراقية مجرد وسيلة لنقل المسافرين بين دولتين متجاورتين، بعدما تحولت حركة الطيران بين العراق وإيران إلى واحدة من ساحات الاشتباك غير المباشر بين العقوبات الأميركية والحسابات العراقية. فمنذ 23 أيلول 2026 بدأ الأثر العملي لحزمة العقوبات الأميركية الجديدة على قطاع الطيران الإيراني،
بعد أن وسعت واشنطن نطاق إجراءاتها ليشمل شركات الطيران الإيرانية والجهات التي تقدم لها خدمات أساسية. وكانت وزارة الخزانة الأميركية قد أعلنت في 8 أيلول فرض عقوبات على 36 جهة، بينها 27 شركة طيران إيرانية، ضمن إجراءات تستهدف عزل قطاع الطيران الإيراني عن النظام المالي العالمي. لكن اللافت في الحالة العراقية أن المشهد لم يظهر منذ البداية بوصفه قراراً عراقياً معلناً بإغلاق المجال الجوي أمام الطائرات الإيرانية، وإنما بدأ من بوابة أكثر تعقيداً…
الخدمات الأرضية. في مطار بغداد الدولي، توقفت الرحلات الإيرانية مع دخول الإجراءات الأميركية حيز التطبيق العملي، وسط روايات عراقية أفادت بأن وزارة النقل وسلطة الطيران المدني لم تصدرا قراراً عاماً بحظر الطائرات الإيرانية، وأن شركات المناولة والخدمات الأرضية الخاصة امتنعت عن تقديم خدماتها خشية تعرضها للعقوبات الأميركية.
وفي المقابل، تحدثت مصادر أخرى عن توجيهات حكومية أدت إلى تعليق الرحلات، ما يجعل صورة القرار العراقي في بغداد أكثر تعقيداً من مجرد إعلان رسمي واضح بالحظر. فالطائرة يمكن أن تحصل على إذن بالهبوط، لكن ماذا يحدث إذا لم تجد من يتولى تحميل أمتعتها أو توفير الخدمات الأرضية اللازمة لها…؟ وماذا يحدث إذا أصبح تقديم الوقود أو خدمات الهبوط أو بيع التذاكر لشركة إيرانية خاضعة للعقوبات سبباً في تعرض الشركة المتعاملة معها للعقوبة بدورها…؟
هنا تحديداً تظهر إحدى أهم أدوات الضغط الأميركية. فوزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت حذر بوضوح من أن المطارات وشركات الوقود ومقدمي خدمات الهبوط وبيع التذاكر الذين يواصلون التعامل مع شركات الطيران الإيرانية قد يتعرضون لعقوبات ثانوية، بما قد يؤدي إلى حرمانهم من الوصول إلى النظام المالي القائم على الدولار…. لقد أصبحت المعادلة أكثر تركيباً…
هل تستطيع الدولة العراقية أن تسمح للطائرة بالهبوط، بينما تخشى الشركات العاملة في مطاراتها تقديم الخدمات إليها…؟
الجواب العملي بدأ يظهر في بغداد، حيث أدى الامتناع عن تقديم بعض الخدمات إلى تعطيل الرحلات الإيرانية، حتى مع بقاء الجدل قائماً حول ما إذا كان ذلك نتيجة قرار عراقي مباشر، أم نتيجة الضغوط التي خلقتها العقوبات الأميركية على الشركات المتعاملة مع الناقلات الإيرانية….ثم جاءت النجف لتكشف جانباً آخر من الصورة.
فبعدما ظل مطار النجف منفذاً رئيسياً للرحلات الإيرانية، أعلنت إدارة المطار في 25 أيلول إيقاف جميع الرحلات القادمة من إيران والمغادرة إليها اعتباراً من الساعة الثانية فجراً وحتى إشعار آخر، استناداً إلى توجيهات رسمية من الجهات المختصة.
ونقلت مصادر عراقية أن التوجيه وصل إلى محافظة النجف من مكتب رئيس الوزراء. وهذا التحول يستحق التوقف عنده، لأنه يفتح باباً أوسع من مجرد الحديث عن الرحلات الجوية.
فالولايات المتحدة لم تكن بحاجة إلى إغلاق الأجواء العراقية أمام الطائرات الإيرانية حتى تجعل استمرار الرحلات أكثر صعوبة؛ يكفي أن تجعل التعامل مع شركات الطيران الإيرانية مكلفاً أو محفوفاً بالمخاطر بالنسبة إلى الشركات والمطارات والمؤسسات المالية التي تقدم لها الخدمات. ومن هنا تبدو العقوبات الأميركية وكأنها تعمل عبر سلسلة مترابطة..
تضغط على شركة الطيران، ثم على مزودي الخدمات، ثم على المطارات وشبكات الدفع والتذاكر، وصولاً إلى قدرة الناقل الإيراني على الوصول إلى وجهته أصلاً.
وهذه الفكرة ليست مجرد افتراض نظري؛ فواشنطن لم تستهدف شركات الطيران وحدها، بل حذرت أيضاً من تبعات تقديم خدمات الوقود والهبوط وبيع التذاكر للناقلات الإيرانية…… لكن السؤال الأوسع …؟
هل تتعامل بغداد مع هذه الإجراءات باعتبارها عقوبات أميركية لا تلزمها قانوناً، أم باعتبارها واقعاً دولياً يمكن أن يفرض نفسه على الاقتصاد والطيران العراقيين…؟ المسألة هنا لا تتعلق فقط بالعلاقة العراقية الإيرانية، بل بمفهوم السيادة نفسه.
فاتفاقية شيكاغو تقر بأن لكل دولة سيادة كاملة وحصرية على المجال الجوي فوق أراضيها، كما تنص على أن خدمات النقل الجوي الدولي المنتظمة لا تعمل فوق أو إلى إقليم دولة متعاقدة إلا بإذنها أو تفويضها. وبالتالي فإن العراق يملك من حيث المبدأ سلطة تنظيم دخول الطائرات الأجنبية إلى مجاله الجوي ومطاراته وتحديد شروط تشغيل الرحلات الدولية.
لكن امتلاك السلطة القانونية لا يعني بالضرورة امتلاك حرية القرار بمعزل عن البيئة الدولية. فالعراق ليس ملزماً تلقائياً بتبنّي العقوبات الأميركية لمجرد صدورها عن واشنطن، لكنه في الوقت نفسه جزء من النظام المالي العالمي، وتتقاطع مطاراته وشركاته ومؤسساته مع مؤسسات وشبكات يمكن أن تتأثر بالعقوبات الأميركية.
ولهذا تستطيع العقوبات أن تؤثر في القرار العراقي من دون أن تصدر بغداد بالضرورة قراراً سياسياً بتبنّيها.
وإذا ثبت أن إيقاف الرحلات في بغداد جاء، في جزء منه، نتيجة خشية الشركات الخاصة من العقوبات، ثم جاء إيقاف الرحلات في النجف بناءً على توجيه رسمي، فإن السؤال يصبح أكبر من مسألة الطيران نفسه.
هل نحن أمام سياسة عراقية مستقلة فرضت شروطها على الطيران الإيراني، أم أمام تكيّف عراقي مع بيئة عقوبات دولية جديدة أصبح من الصعب تجاهلها..؟
الجواب يحتاج إلى قراءة متأنية، لأن ما جرى لا يمثل فقط أزمة نقل جوي بين بغداد وطهران، بل يكشف حجم التداخل بين الجغرافيا السياسية والاقتصاد والسيادة الوطنية. فالطائرة الإيرانية التي تغادر طهران ليست مجرد طائرة. وراءها شركة، وتأمين، ووقود، وخدمات أرضية، ونظام دفع، وتذاكر، ومطار، ودولة تسمح بالهبوط وأخرى تستطيع أن تفرض شروط التعامل معها.
وعندما تتعطل حلقة واحدة من هذه السلسلة، قد تتوقف الرحلة كلها. وهذه هي المفارقة التي تجعل من ملف الطيران الإيراني في العراق قضية جيوسياسية أكثر من كونها قضية طيران. في عالم العقوبات، قد لا تحتاج دولة ما إلى إغلاق المجال الجوي حتى تجعل طائرة عاجزة عن الوصول إلى مدرجها..
وتعد السياحة الدينية شريان حياة اقتصادياً مهماً لمدن مثل النجف وكربلاء، وتوقف الرحلات الجوية الإيرانية يترك آثاراً واضحة على الوضع الاقتصادي ..
وتعتمد مئات الفنادق والمطاعم وشركات النقل المحلي في النجف وكربلاء بشكل أساسي على السياح الإيرانيين. إيقاف الطيران المباشر يقطع الإمداد السريع للزوار، خصوصاً فئات كبار السن والعائلات التي تعتمد على السفر الجوي.
مع توقف المطارات، قد يتحول جزء من حركة السفر إلى المنافذ الحدودية البرية مثل مهران والشلمجة وذرَاباط. لكن النقل البري أبطأ وأقل راحة، وقد لا يعوض بالكامل حجم الحركة الجوية المنتظمة، مما يقلل من أعداد الوافدين الموسميين.
الشركات الإيرانية المرتبطة بالقطاع تفقد خطوطاً جوية حيوية وعالية الإشغال، بينما تتكبد المطارات العراقية ولا سيما مطار النجف خسائر مباشرة في عوائد الهبوط، والخدمات الأرضية، ورسوم المسافرين. هذا الملف يتجاوز صراع نفوذ أوسع..
تجد بغداد نفسها في حرج دائم بين إيران و الولايات المتحدة. تعطيل الرحلات عبر الخوف من العقوبات الثانوية يوفر للحكومة العراقية مخرجاً دبلوماسياً؛ إذ يبدو الأمر كأنه امتثال لبيئة السوق الدولي والشركات الخاصة وليس قراراً سياسياً مباشراً مع طهران.
و تثبت واشنطن أن أدواتها المالية أشد فاعلية من التدخلات العسكرية أو الدبلوماسية التقليدية؛ فبضعة تحذيرات مصرفية كفيلة بتحييد أسطول جوي كامل دون إطلاق رصاصة واحدة أو فرض منطقة حظر جوي عسكري. والسؤال هل بغداد قادره على تجاوز الحظر لما يمثله من تأثير اقتصادي على شريحة واسعة من العراقيين الذين تعتمدون على السياحة الدينية في كسب ارزاقهم ولما تربطهم مع ايران من عمق عقدي وديني … ام يجعل بغداد تتحرك بحذر شديد داخل هامش ضيق بين متطلبات السيادة والعلاقات الإقليمية من جهة اخرى .




