من فزعة الشغانبة إلى فتوى المرجعية.. لماذا الخوف من العراقي حين يمتلك السلاح؟ لماذا تريدون نزع سلاح شعب حرر نفسه بنفسه؟!
ضياء أبو معارج الدراجي ||

المخاوف الصهيوأمريكية والعربان المطبعين والوطنجية ليست من السلاح العراقي وحده، بل من العراقي الشيعي عندما يمتلك السلاح والإرادة معًا.
هذه المخاوف تختصرها قصتين عراقيتين تفصل بينهما الجغرافيا وتجمعهما النخوة: أبناء عشيرة الشغانبة البصراوية الذين تحركوا لتحرير سفينة عراقية وطاقمها من القراصنة الصوماليين على بُعد آلاف الكيلومترات، والعراقيون الجنوبيين الذين استجابوا لفتوى الجهاد الكفائي عام 2014 وحملوا السلاح لمواجهة داعش وتحرير أرضهم.
في الحالتين، لم ينتظر العراقي أن يأتي الأمريكيون وتحالفهم الدولي لينقذوه، ولم يبالوا ببيانات العربان والوطنجية التي كانت تدعم داعش باسم ثورة العشائر السنية، أو تحركات القوى الدولية في المحيط الهندي لتحرير سفينتهم من القراصنة الصوماليين.
هذه هي النقطة التي يجب أن تُفهم جيدًا: العراقي الشيعي عندما يمتلك الإرادة والقدرة المسلحة على الدفاع عن نفسه وعن بلده، تتغير معادلة القوة،وهذا لا يرضي الصهيوامريكان ولا العربان ولا الوطنجية حاملي الجنسية العراقية.
عام 2014، اجتاح داعش مساحات واسعة من العراق، فجاءت فتوى الجهاد الكفائي للسيد علي السيستاني، حفظه الله، وسلاح ومستشارو الجمهورية الإسلامية، لتطلق تعبئة شعبية واسعة. ومن هذه التعبئة تشكل الحشد الشعبي، الذي أصبح قوة رئيسية في مواجهة داعش، وقاتل إلى جانب القوات العراقية وأبناء العشائر في مختلف ساحات المواجهة.
لم يكن الحشد شعارًا سياسيًا؛ كان رجالًا في الميدان. قاتلوا وتقدموا وسقط منهم الشهداء والجرحى، وشاركوا في معارك تحرير المدن والمناطق التي سيطر عليها داعش جنبًا إلى جنب مع إخوتهم في العقيدة، حتى أُعلن في كانون الأول 2017 تحرير كامل الأراضي العراقية من سيطرة التنظيم.
وهنا يبدأ الخوف الحقيقي: عندما يكتشف الآخرون أن العراقي يستطيع أن يصنع قوة من داخله، وأن المجتمع يستطيع أن يتحول عند الخطر إلى قوة مقاتلة قادرة على تغيير موازين الميدان وإفشال الخطط الصهيوأمريكية المرسومة للمنطقة، بتخاذل العربان وتطبيل الوطنجية.
العراقيون الشيعة الذين استجابوا لفتوى المرجعية لم يكتفوا بالدفاع عن مناطقهم فقط، بل دخلوا معركة تحرير العراق كله، وكان الحشد الشعبي في مقدمة القوى التي خاضت هذه المعركة. هذه التجربة أثبتت أن العراقي، عندما تتوفر له الإرادة والتنظيم والسلاح، يستطيع أن يواجه تنظيمًا مسلحًا دوليًا سيطر على مدن وأراضٍ واسعة، وأن يستعيدها منه بالقوة.
وهنا ظهرت قصة الشغانبة.
سفينة عراقية وطاقمها في مواجهة القراصنة الصوماليين، فيتحرك أبناء عشيرة عراقية من البصرة لإنقاذها.
فزعة عشائرية تحولت إلى فعل، كما تحولت فتوى المرجعية إلى تعبئة، وتحولت التعبئة إلى قوة، وتحولت القوة إلى تحرير.
رسالة الشغانبة والحشد: أن لا تتركوا العراقي وحده عندما يكون في الخطر.
لقد امتلكت قوى دولية كبرى أساطيل ومعدات وقدرات بحرية هائلة لمواجهة القرصنة الصومالية، ولم تفلح، لكن قصة الشغانبة تقدم صورة مختلفة: عراقيون تحركوا لإنقاذ سفينتهم؛ لأنهم لم يتعاملوا معها باعتبارها هدفًا بعيدًا في البحر، بل باعتبارها جزءًا من أهلهم ووطنهم يستحقون التضحية.
وهنا يصبح السلاح العراقي قضية تتجاوز قطعة الحديد والرصاصة؛ يصبح رمزًا لقدرة العراقي على الدفاع عن نفسه عندما تتعرض بلاده وماله للخطر.
ولهذا فإن الحديث عن نزع السلاح العراقي لا يمكن فصله عن سؤال أكبر: هل المطلوب تنظيم السلاح ضمن مؤسسات الدولة، أم إضعاف القدرة العراقية التي أثبتت التجربة أنها تستطيع مواجهة أخطر التهديدات؟
الدولة القوية هي التي تضبط السلاح بالقانون، لكنها في الوقت نفسه لا تتخلى عن قدرتها الدفاعية، ولا تمحو ذاكرة الذين قاتلوا عندما كان الوطن مهددًا.
ومن هنا يلتقي الشغانبة بالحشد.
الشغانبة حرروا سفينتهم.
والحشد حرر أرض العراق.
الأول جسّد الفزعة العراقية في البحر، والثاني جسّد التعبئة العراقية في مواجهة الإرهاب.
وفي الحالتين ظهر العامل نفسه: عراقيون يتحركون عندما يصبح الخطر على عراقيين آخرين.
وهذا تحديدًا هو مصدر قوة التجربة العراقية: أن الإنسان العراقي يمكن أن يتحول، عندما تشتد المحنة، من فرد إلى قوة جماعية بسلاح بسيط تفعل ما لا تفعله جيوش نظامية لدول تمتلك كل القدرات التقنية والفنية والسلاح المتطور والمعدات الحديثة.
لذلك فإن محاولة اختزال الحشد في مجرد تشكيل مسلح تتجاهل اللحظة التي وُلد فيها ودوره في الحرب على داعش، كما أن اختزال فزعة الشغانبة في حادثة بحرية عابرة يتجاهل المعنى الأعمق للقدرة العراقية على تحقيق ما عجزت عنه قوى عظمى، وأن العراقي لا يترك أهله عندما يشتد الخطر.
وهنا يبقى السؤال: هل الخوف من السلاح العراقي، أم من العراقي حين يمتلك القوة والإرادة للدفاع عن وطنه؟
الشغانبة لم يتركوا سفينتهم، والعراقيون لم يتركوا وطنهم. وبين البحر وساحات القتال تتكرر الحقيقة نفسها: حين يمتلك العراقي إرادته وسلاح الدفاع عن أرضه وماله، تتغير حسابات القوة في المنطقة، والتي لا ترضي إسرائيل وأتباعها من العربان والوطنجية.
ضياء أبو معارج الدراجي




