الجمعة - 25 سبتمبر 2026
أنا وصديقي أبو علاء وشحنةُ البنزين..!
منذ 25 ثانية
الجمعة - 25 سبتمبر 2026
عباس سرحان ||

اتصل بي صديقي أبو علاء الغزي، ابن ذي قار البارّ، الذي عرفته منذ أيام الصبا. رجلٌ طويل كثُّ اللحية، ضخم البنية، إذا رأيته من بعيد حسبته مصارعاً معتزلاً. وكنت أنا طويلاً مثله، لكنني أقرب إلى عمود الكهرباء مني إلى رجل.
ذات شتاءٍ كنا لاجئَين في مدينة أراك الإيرانية، وكان بردها يكاد يكسر عظامنا، فخرجنا نجوب شوارعها المغطاة بالثلج بحثاً عن مدفأتين نفطيتين مستعملتين، فجيوبنا يومها لا تقوى على الجديد.
لاحظنا أن الإيرانيين يرمقوننا بنظراتٍ طويلة ويتابعوننا باهتمامٍ لافت، فقلت له: ما بال هؤلاء؟ ألم يروا بشراً من قبل؟
فقال: بل رأوا بشراً كثيرين، لكنهم لم يروا وحوشاً بالتأكيد. تخيّلونا بلحانا الكثّة وقاماتنا الفارعة نازلين للتوّ من كهفٍ في الجبل!
المهم أنه اتصل بي قبل نحو ساعة ليهاجمني كعادته بسبب كتاباتي السياسية، قائلاً: يا رجل، كُفَّ عنّا وإلا ألغيتُ صداقتك على الفيسبوك وحظرتك.
ارحم العباد الذين يظهر أمامهم منشورك، فأنت تبثّ فيهم كل أوجاع الدنيا. أما تخاف الله فينا؟ ما ذنبنا؟ أذنبُنا أننا صرنا أصدقاءك على الفيسبوك ونستحي أن نلغي الصداقة؟
هاجمني بطريقته المعهودة التي لا تعرف المجاملة ولا المسايسة. وكيف يعرفها وهو الذي وصفنا ذات يومٍ بالوحوش؟
قلت: على مهلك يا أبا علاء، ما الذي دهاك؟ قال: يا أخي، لا تكتب في السياسة، واكتب في أي شيءٍ آخر.
جزاه الله خيراً، فقد نبّهني إلى ما كنت غافلاً عنه. أنا فعلاً مسّختُها بالكتابة السياسية. فقلت له: لن أكتب في السياسة بعد اليوم. ويبدو أن أبا علاء قَبِلَ مني كلماتٍ طيّبتُ بها خاطره، فتبادلنا الأحاديث العامة وضحكنا، وأغلقت الهاتف.
لكن، وآهٍ من «لكن» هذه، ما إن فتحت التلفاز حتى طالعني الخبر: «نجح العراق لأول مرة في استيراد شحنة بنزين عبر ميناء بانياس السوري، والشحنة في طريقها إلى العراق».
توقفت عند كلمة «نجح». كنا نظن أن النجاح أن نصدّر، فإذا به أن نستورد. وأخشى أن تتوالى النجاحات، فنسمع غداً أن العراق نجح لأول مرة في استيراد التمور من الخارج.
ولم يمر النجاح بصمت، فقد كانت الفضائيات تتبادل التهاني مع المشاهدين، كأن المذيعين يزفّون إلينا نبأ كشفٍ نفطي جديد، لا نبأ ناقلةٍ غريبة تحمل إلينا ما كان ينبغي أن نحمله نحن إلى الآخرين. ولم يبقَ إلا أن تُوزَّع الحلوى في الأسواق، وأن تُعطَّل الدوائر احتفالاً.
تذكرت! قبل أقل من عام أعلنت الحكومة أننا اكتفينا، وأوقفنا الاستيراد، وقيل يومها إننا سنصدّر البنزين. فلما جاء الصيف وطالت الطوابير، قالت الوزارة إن الأزمة مؤقتة، وإنها تدرس توزيع البنزين بالبطاقة.
وجيلنا البائس يعرف البطاقة جيداً، فقد حفظنا مفرداتها في سنوات الحصار: طحين، سكر، رز، شاي. ويبدو أن القائمة ستطول قريباً بمادةٍ خامسة تُكال بالغالون.
وعادت بي الذاكرة إلى أراك. يومها كان النفط متوفراً في بلاد الغير، وكان الفقر فينا نحن، فبحثنا عن مدفأةٍ مستعملة لأننا لا نملك ثمن الجديدة.
واليوم النفط تحت أقدامنا، والبنزين نستورده من بلاد الغير. انقلبت الآية ولم يتغير المعنى: ما زلنا نبحث عمّا نحتاجه عند الآخرين.
أنا الآن حائرٌ بين أمرين: أن أفي بوعدي لصديقي الغزي فلا أكتب، وأكتفي بأن أخرج فأجمع الجيران، ونشتري زناجيل، وننتشر في الحي نلطم صدورنا وظهورنا في عزاءٍ في غير أوانه، أو أن أكتب في السياسة وأنقض وعدي لأبي علاء.
وهل يُعقل أن بلداً نفطياً بحجم العراق، يطفو على بحرٍ من النفط، يستورد البنزين، ثم تتبادل فضائياته التهاني بهذا الإنجاز؟
يا أبا علاء، أنا في حلٍّ من وعدي. فاحظرني إن شئت، فالحظر أهون عليّ من السكوت. وإن حظرتني فلا تقلق، سأستورد صديقاً آخر عبر ميناء بانياس.




