الاثنين - 21 سبتمبر 2026

17 أيلول: يوم سقط وهم «الردع النظيف» في الحرب الحديثة..!

منذ ساعة واحدة
الاثنين - 21 سبتمبر 2026

الإعلامية جمانة كرم عياد ||

 

 

 

لم تكن جريمة تفجير أجهزة الاتصال في لبنان يومي 17 و18 أيلول/سبتمبر 2024 مجرد اختراق أمني أو عملية استخبارية نوعية، بل مثلت لحظة كاشفة في تاريخ الحروب الحديثة، سقط فيها وهم «الردع النظيف» الذي حاولت التكنولوجيا العسكرية ترسيخه؛ إذ انتقلت أدوات الحرب من الجبهة إلى الجيب، ومن الموقع العسكري إلى المنزل والمتجر والمستشفى والشارع، وتحولت وسيلة الاتصال المدنية إلى فخ للموت.
كانت الكارثة الإنسانية في أن آلاف الأجهزة انفجرت وهي في أيدي أشخاص وفي بيئات مدنية، مخلفة قتلى وآلاف الجرحى، بينهم أطفال وعاملون صحيون، وإصابات بالغة في العيون والأيدي ومناطق مختلفة من الجسد. وهنا تظهر المفارقة الأخطر: الدقة التقنية في الوصول إلى جهاز لا تعني بالضرورة التمييز القانوني بين المقاتل والمدني؛ فالجهاز قد يوجد في سوق أو منزل أو مستشفى، ولا يمكن ضمان من سيكون حول حامله لحظة الانفجار.
ومن هنا تجاوزت الجريمة حدود الخسائر المباشرة إلى ضرب مفهوم الأمان ذاته. فحين تتحول أداة اتصال يومية إلى أداة قتل، تصبح التكنولوجيا المدنية محاطة بالشك، وتتحول سلاسل التوريد والأسواق العالمية إلى جزء من معركة أمنية مفتوحة. إن تفخيخ منتج مدني، إن ثبتت تفاصيله كما وردت في التحقيقات والتقارير، لا يقتل الإنسان فقط، بل يضرب الثقة التي تقوم عليها الحياة التكنولوجية والاقتصادية المعاصرة.
كما تثير العملية أسئلة قانونية بالغة الخطورة حول حظر الفخاخ المتفجرة، ومبادئ التمييز والتناسب والاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين. ولذلك لا تكفي البيانات السياسية لتحديد المسؤولية؛ بل تبرز الحاجة إلى تحقيق مستقل وشفاف يكشف مسار الأجهزة، وكيفية إعدادها، والجهات المسؤولة عن العملية، ومدى توافقها مع القانون الدولي الإنساني.
وفي قلب هذه الصدمة برز السيد حسن نصر الله، رضوان الله عليه، بوصفه قائداً لإدارة الوعي في لحظة استثنائية. فلم يسمح بأن تُقرأ الضربة باعتبارها مجرد انتصار تقني للخصم، بل وضعها في سياقها الاستراتيجي، وأكد أن قسوة الضربة لا تعني سقوط المقاومة أو انهيار إرادتها. وكان خطابه في تلك اللحظة يتجاوز توصيف الحدث إلى تثبيت المجتمع ومنع انتقال الانفجار من الأجهزة إلى الوعي.
لقد أدرك السيد نصر الله، رضوان الله عليه، أن الحرب لا تستهدف الأجساد وحدها؛ فالعدو يسعى أيضاً إلى صناعة الخوف، وتحويل الصدمة إلى انهيار معنوي. ولذلك كان تثبيت المعنويات، واحتضان الجرحى، وإسناد العائلات، واستعادة الثقة، جزءاً من معركة ما بعد الانفجار. وهنا تحولت الاستجابة الإنسانية والطبية إلى صورة من صور التماسك المجتمعي، وأصبح احتضان الجرحى رسالة بأن الجريمة لا تستطيع وحدها تحديد نتائج المعركة.
وهذا يكشف الفشل الأعمق لوهم «الردع النظيف»: قد تستطيع التكنولوجيا اختراق جهاز، لكنها لا تستطيع وحدها اختراق إرادة الإنسان؛ وقد تستطيع صناعة صدمة، لكنها لا تضمن صناعة استسلام. فالتفوق التقني لا يساوي بالضرورة تفوقاً استراتيجياً، والقدرة على إحداث خسائر موجعة لا تعني امتلاك القدرة على فرض حسم سياسي أو أمني مستدام.
إن 17 أيلول كشف مأزق الحرب حين تتقدم القدرة التقنية على الضابط الأخلاقي والقانوني، وأظهر أن أخطر أسلحة العصر قد لا تكون تلك التي تُرى في السماء، بل تلك التي تدخل الحياة اليومية متخفية في صورة شيء عادي.
وسيظل هذا اليوم في الذاكرة الإنسانية شاهداً على ضحايا حملوا أجهزة اتصال فتحولت في لحظة إلى أدوات موت، وعلى جرحى حملوا آثار الجريمة في أجسادهم، وعلى قيادة حاولت أن تمنع تحويل الألم إلى هزيمة.
فحين يصبح الجهاز الذي يصل الإنسان بالإنسان فخاً ينتظر صاحبه، يسقط وهم الحرب النظيفة؛ وحين يفشل القتل في كسر الإرادة، تتحول الجريمة نفسها إلى شاهد على حدود القوة التقنية أمام صمود الإنسان.