21 سبتمبر.. يوم تحرر القرار اليمني من الإملاءات الخارجية..!
الكاتبة/علياء هاشم المساوى ||
علياء هاشم
لم يكن الحادي والعشرون من سبتمبر 2014 مجرد تاريخ جديد يُضاف إلى صفحات اليمن، بل جاء في لحظة كان فيها الوطن يعيش واحدة من أكثر مراحله تعقيدًا، وسط أزمات سياسية واقتصادية وأمنية متراكمة، وتزايد واضح في التدخلات الخارجية في تفاصيل المشهد اليمني.
في تلك المرحلة، كان السؤال الذي يفرض نفسه على اليمنيين: من يملك القرار في هذا البلد؟ وهل يستطيع اليمن أن يحدد طريقه بنفسه، أم أن خياراته ستظل مرتبطة بإرادات خارجية وحسابات إقليمية لا تنطلق بالضرورة من مصالح الشعب اليمني؟
ومن هنا جاءت ثورة 21 سبتمبر، كما يقدّمها خطابها السياسي، حاملة عنوانًا أساسيًا هو استعادة القرار الوطني والتحرر من الإملاءات الخارجية. فقد طرحت نفسها باعتبارها حركة تصحيحية لمسار سياسي طويل، وباعتبار أن اليمن بحاجة إلى استعادة استقلال إرادته، وأن تكون صنعاء هي صاحبة القرار في شؤون البلاد، لا أن تتحول إلى ساحة تُدار من خلف الحدود.
ولم تأتِ هذه الفكرة من فراغ؛ فالتاريخ اليمني الحديث حافل بمحطات نضالية ارتبطت بالتحرر والاستقلال، وفي مقدمتها ثورة 26 سبتمبر وثورة 14 أكتوبر. ولذلك ارتبطت ثورة 21 سبتمبر في خطابها بفكرة استكمال وتصحيح مسار الثورات السابقة، والعودة إلى أهداف التحرر والسيادة والعدالة التي ناضل من أجلها اليمنيون.
فالاستقلال لا يكتمل بمجرد خروج قوة أجنبية من الأرض، وإنما يكتمل عندما يصبح القرار السياسي والاقتصادي والأمني ملكًا للشعب والدولة، وعندما لا تكون خيارات الوطن مرهونة بالمساعدات أو الضغوط أو التوجيهات القادمة من الخارج.
وهنا تبرز أهمية مفهوم القرار الوطني. فالقرار الوطني ليس شعارًا يُرفع في المناسبات، وإنما ممارسة يومية تبدأ من قدرة الدولة على تحديد أولوياتها، وحماية مصالحها، وإدارة مواردها، وبناء علاقاتها الخارجية على أساس الندية والمصلحة المشتركة.
وقد أثبتت السنوات التي تلت أحداث 21 سبتمبر أن مسألة القرار اليمني أصبحت في قلب الصراع. فمع اندلاع الحرب والتدخل العسكري الإقليمي، تحول اليمن إلى ساحة مواجهة واسعة، وأصبح الحديث عن السيادة والاستقلال جزءًا رئيسيًا من الخطاب السياسي والإعلامي في البلاد.
ومع ذلك، فإن استعادة القرار اليمني لا يمكن أن تتحقق فقط عبر مواجهة الخارج، بل تحتاج إلى بناء الداخل. فاليمن القوي هو الذي يمتلك مؤسسات قادرة، واقتصادًا منتجًا، ومجتمعًا متماسكًا، ودولة تستطيع أن تجمع أبناءها تحت مظلة وطنية واحدة.
إن أخطر ما يمكن أن يواجه أي وطن هو أن يتحول أبناؤه إلى أدوات في صراعات الآخرين. ولذلك فإن حماية القرار الوطني تبدأ من وعي اليمنيين بأن اختلافاتهم السياسية لا ينبغي أن تمنح الخارج فرصة للعبث بمصير بلدهم.
وفي هذه النقطة تحديدًا، تصبح ذكرى 21 سبتمبر فرصة لاستحضار معنى السيادة بعيدًا عن الانقسامات. فمهما اختلف اليمنيون في قراءتهم للأحداث وتقييمهم لها، تبقى مسألة استقلال القرار الوطني قضية مرتبطة بحق اليمنيين جميعًا في أن يقرروا مستقبل بلادهم بأنفسهم.
اليمن ليس مجرد مساحة جغرافية، بل وطن له تاريخ عريق وشعب أثبت عبر محطات كثيرة أنه قادر على الصمود. ومن حق هذا الشعب أن يعيش في دولة لا تُفرض عليها إرادتها من الخارج، ولا يكون مستقبلها رهينة لحسابات القوى الإقليمية والدولية.
إن التحرر من الإملاءات الخارجية لا يعني الانغلاق على العالم، ولا يعني القطيعة مع المحيط، وإنما يعني أن تكون علاقة اليمن بالآخرين قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وأن تكون الكلمة الأولى والأخيرة فيما يخص الشأن اليمني لإرادة اليمنيين أنفسهم.
ولهذا فإن المعنى الأعمق لثورة 21 سبتمبر، في الخطاب الذي رافقها، يتمثل في استعادة الإحساس بأن اليمن قادر على صناعة قراره. أما التحدي الحقيقي فهو أن يتحول هذا المبدأ إلى دولة قوية ومستقرة، وإلى مؤسسات تحمي المواطن، واقتصاد يحقق الاكتفاء والتنمية، وسلام يحفظ السيادة والوحدة.
لقد دفع اليمنيون ثمنًا باهظًا خلال سنوات الحرب والصراع، ولذلك فإن المرحلة القادمة تحتاج إلى قراءة التجربة بكل ما فيها من تعقيدات، والعمل على بناء يمن يتجاوز الانقسام، ويستعيد عافيته، ويضع مصلحة شعبه فوق كل الحسابات.
وفي النهاية، يبقى القرار الوطني حقًا أصيلًا لليمنيين جميعًا، لا يملكه حزب ولا جماعة ولا منطقة. ومن هنا فإن استعادة اليمن لقراره تعني أن يكون مستقبل البلاد صناعة يمنية خالصة، وأن تكون علاقاتها الخارجية قائمة على الندية، وأن يظل الوطن فوق الجميع.
فاليمن الذي يستحقه أبناؤه هو يمنٌ لا تُكتب قراراته في عواصم أخرى، ولا يُرسم مستقبله خلف الحدود، بل يصنع اليمنيون مستقبله بإرادتهم، ويحفظون سيادته بوحدتهم، ويبنون دولته بوعيهم وعملهم.




