التشيّع بين القعود والقيام.. قراءة في فقه الموقف والتاريخ الثوري للشيعة..!
المهندس عبد الجبار الجزائري ||
19 أيلول 2026

ليس من الإنصاف العلمي أن يُقرأ تاريخ الشيعة وفق رواية واحدة، كما ليس من الإنصاف أن تُقرأ روايات أهل البيت عليهم السلام على ضوء حادثة تاريخية واحدة. فالتراث الشيعي أوسع من أن يُختزل بشعار: «اقعد ولا تقم»،
المشكلة تبدأ حين نأخذ نصاً ورد في ظرف أو موضوع معين، ثم نحوله إلى فلسفة سياسية أبدية نحاكم بها أربعة عشر قرناً من تاريخ التشيع. فهناك فرق كبير بين رواية تحذر من راية تدّعي لنفسها مقاماً ليس لها، وبين القول إن الشيعي مأمور بالسكوت أمام كل ظلم أو احتلال أو عدوان إلى أن يظهر الإمام المهدي عجل الله فرجه.
وهذا الفرق ليس تفصيلاً، بل هو مفتاح أساسي لفهم تاريخ أهل البيت عليهم السلام وتاريخ أتباعهم.
كربلاء في قلب الوعي الشيعي
يصعب الحديث عن «منهج القعود» بوصفه الهوية السياسية العامة للتشيع، فيما تقع كربلاء في قلب الوجدان الشيعي.
لقد رفض الإمام الحسين عليه السلام مبايعة يزيد، وانتهى موقفه باستشهاده مع أهل بيته وأصحابه في كربلاء سنة 61 للهجرة. وتحولت الواقعة عبر القرون إلى أحد أهم منابع الوعي الديني والأخلاقي لدى الشيعة.
زيد بن علي وحدود التعميم
ويقدم زيد بن علي مثالاً آخر يستحق التأمل. فقد خرج على الحكم الأموي وقُتل في حركته سنة 122 للهجرة، وأصبح خروجه جزءاً من التاريخ السياسي لأهل البيت وشيعتهم.
لكن تجربة زيد، كما تجربة غيره، تعلمنا أن تقييم الحركة لا يتم من خلال شعار «الثورة» وحده، وإنما من خلال ظروفها وشرعيتها وأهدافها وإمكاناتها والنتائج المترتبة عليها.
وهذا هو الفارق بين الفقه الحقيقي وبين تحويل الروايات إلى شعارات جاهزة.
ماذا تعني روايات القعود والرايات؟
توجد في التراث روايات معروفة تحذر من بعض الرايات قبل قيام القائم عليه السلام، لكن قراءة هذه الروايات يجب أن تكون ضمن سياقها ومع مجموع النصوص الأخرى.
فالتحذير من راية تدّعي الشرعية المطلقة، أو تستغل اسم أهل البيت للوصول إلى السلطة، لا يعني تحريم كل حركة دفاعية أو سياسية أو اجتماعية في عصر الغيبة.
ولو كان الأمر كذلك لما عرف التاريخ الشيعي مواقف العلماء والفقهاء ضد الاحتلال والظلم والاستبداد، ولما كان للمرجعية ذلك الحضور الكبير في حياة المجتمعات الشيعية.
الحسين والصادق ليسا منهجين متعارضين
الحسين عليه السلام قام في ظرفه، والإمام الصادق عليه السلام لم يدخل في كثير من ثورات زمانه. وليس معنى ذلك أن أحدهما يمثل «الثورة» والآخر يمثل «القعود».
الاختلاف كان في الموضوع والظرف والقدرة والنتائج والشرعية.
والتاريخ الحديث يقدم أمثلة كثيرة على حضور المرجعية والعلماء في المجال السياسي والاجتماعي.
ففي إيران كان للعلماء دور في حركة التنباك، ثم في الثورة الدستورية، وبرزت أسماء مثل الآخوند الخراساني والشيخ عبد الله المازندراني والميرزا النائيني.
وهذه التجارب تؤكد أن عصر الغيبة لم يُفهم دائماً بوصفه زمناً لتعطيل إرادة المجتمع أو ترك الأمة بيد الظالمين.
المرجعية وثورة العشرين في العراق
وفي العراق برز الدور السياسي للمرجعية بصورة أوضح في مرحلة الاحتلال البريطاني وما تلاها.
وكان للميرزا محمد تقي الشيرازي وللعلماء والمرجعيات الدينية دور مهم في رفض الهيمنة الأجنبية، وتهيئة المناخ الذي انتهى إلى ثورة العشرين، التي أصبحت واحدة من المحطات الأساسية في التاريخ السياسي العراقي الحديث.
ولو كان «القعود» مبدأً مطلقاً لما كان لهذه المواقف أن تجد أساساً فقهياً أو اجتماعياً داخل الوسط الشيعي.
محمد باقر الصدر ومشروع الإنسان والمجتمع
وفي القرن العشرين ظهر السيد الشهيد محمد باقر الصدر بوصفه أحد أبرز المجددين في الفكر الإسلامي الشيعي.
لم ينظر الصدر إلى الإسلام باعتباره علاقة فردية بين الإنسان وربه فحسب، بل باعتباره مشروعاً قادراً على بناء الإنسان والمجتمع والدولة والاقتصاد.
وكان مشروعه الفكري والسياسي دليلاً على أن انتظار الإمام المهدي لا يعني تعطيل مسؤولية الأمة، بل يضع عليها واجباً أخلاقياً وفكرياً في مقاومة الظلم وبناء المجتمع الصالح.
الثورة الإسلامية وتجربة الدولة
ثم جاءت الثورة الإسلامية في إيران سنة 1979 لتفتح فصلاً مختلفاً في الفكر السياسي الشيعي المعاصر.
فانتقل النقاش من سؤال: هل يجوز للفقيه أو الأمة ممارسة دور سياسي في عصر الغيبة؟ إلى سؤال أوسع يتعلق بكيفية إدارة الدولة وعلاقة الدين بالمؤسسات والمجتمع.
وسواء اتفق الباحثون في تقييم التجربة أم اختلفوا، فإن وجودها يؤكد أن التشيع المعاصر لم يتعامل مع عصر الغيبة باعتباره زمناً للانعزال عن السياسة.
الجهاد في عصر الغيبة ليس مسألة شعارية
فالفقه ينظر إلى طبيعة الخطر، والقدرة، والمصلحة العامة، وحرمة الدماء، والنتائج المتوقعة، والجهة التي تمتلك شرعية اتخاذ القرار.
فلا يمكن استخدام روايات الحذر لتبرير السكون أمام كل عدوان.
فتوى الدفاع الكفائي مثال معاصر
وقد ظهر ذلك بوضوح في العراق عندما واجه البلد خطر تنظيم داعش عام 2014، فأعلنت المرجعية الدينية العليا في النجف وجوب الدفاع الكفائي.




