مصادر الحرب القانونية /٣..!
باحث في شؤون القانون الدولي وحقوق الإنسان/ د. محمد عباس البطاط ||

في المقال السابق ذكرنا مفهوم الحرب القانونية ثم الإتصالات الاسترتيجية للحرب القانونية وفي هذا المقال نتكلم عن مصادر الحرب القانونية وتوظيفها في الصراعات الحديثة.
إذ لم تعد الحروب تُدار في الميدان العسكري وحده، بل أصبحت القاعدة القانونية جزءاً أساسياً من إدارة الصراع وتحديد مشروعيته وآثاره ومسؤوليات أطرافه. ومن هنا برز مفهوم «الحرب القانونية» بوصفه استخداماً للأدوات والقواعد القانونية في فهم الصراع، وتحديد الحقوق والالتزامات، وتوثيق الانتهاكات، وبناء المواقف والحجج أمام المؤسسات الوطنية والدولية.
وتتعدد مصادر الحرب القانونية بتعدد مصادر القانون الدولي ذاته، ولا سيما القواعد التي تنظم حقوق الإنسان، والعلاقات بين الدول، واستخدام القوة، وحماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة. وتأتي الشرعة الدولية لحقوق الإنسان في مقدمة هذه المصادر؛ إذ شكّل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 أساساً مهماً لتطور منظومة حقوق الإنسان الدولية، ثم جاء العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966 ليشكلا مع الإعلان ما يُعرف بـ«الشرعة الدولية لحقوق الإنسان».
ومن المهم هنا التمييز بين قيمة كل مصدر وطبيعته القانونية؛ فالإعلان العالمي، من حيث نشأته، هو إعلان صادر عن الجمعية العامة وليس معاهدة دولية بحد ذاته، إلا أن بعض أحكامه أصبحت مرتبطة بالقانون الدولي العرفي، كما أسهم بصورة كبيرة في تطوير منظومة المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان.
أما المعاهدات والاتفاقيات الدولية، فإنها تمثل مصدراً مباشراً للالتزامات القانونية بالنسبة إلى الدول الأطراف فيها، وتحدد حقوقاً والتزامات تفصيلية في مجالات متعددة، من حقوق الإنسان إلى القانون الدولي الإنساني وقانون النزاعات المسلحة. ولذلك فإن الدولة عندما تنضم إلى اتفاقية دولية وتصبح طرفاً فيها تدخل في إطار من الالتزامات التي يتعين عليها احترامها وتنفيذها وفقاً للقواعد الدولية ذات الصلة.
وتتفق هذه الفكرة مع المادة 38 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، التي تشير إلى الاتفاقيات الدولية، والعرف الدولي، والمبادئ العامة للقانون، فضلاً عن الأحكام القضائية وآراء كبار الفقهاء بوصفها وسائل فرعية لتحديد قواعد القانون.
وبناءً على ذلك، يمكن تحديد أبرز مصادر الحرب القانونية على النحو الآتي:
أولاً: الشرعة الدولية لحقوق الإنسان وقرارات الأمم المتحدة
وتشمل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهدين الدوليين لحقوق الإنسان، إلى جانب ميثاق الأمم المتحدة والقرارات الدولية ذات الصلة. وتشكل هذه المنظومة إطاراً مهماً لحماية الإنسان وتنظيم العلاقات الدولية، ولا سيما في قضايا الحرية والكرامة والمساواة والحماية من الانتهاكات الجسيمة. كما أن ميثاق الأمم المتحدة يؤكد مبادئ السيادة والمساواة بين الدول، وتسوية المنازعات بالوسائل السلمية، واحترام حقوق الإنسان وتقرير المصير.
ثانياً: الاتفاقيات والمعاهدات الدولية
تأتي الاتفاقيات الدولية في مقدمة المصادر التي تستند إليها الحرب القانونية، لأنها تنشئ التزامات تعاقدية على الدول الأطراف. وتشمل اتفاقيات حقوق الإنسان، واتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني، واتفاقيات منع الجرائم الدولية ومكافحة التعذيب والتمييز وغيرها. ويجب عند الاحتجاج بأي اتفاقية تحديد الدولة الطرف فيها، ونطاق التزامها، والتحفظات التي أبدتها إن وجدت.
ثالثاً: العرف ومبادئ القانون الدولي
لا يقوم القانون الدولي على المعاهدات وحدها، وإنما يشمل أيضاً القواعد العرفية التي تنشأ من ممارسة عامة تقبلها الدول باعتبارها قانوناً، فضلاً عن المبادئ العامة للقانون. وهذه القواعد مهمة بصورة خاصة في النزاعات التي لا تكون فيها المعاهدة وحدها كافية لحسم المسألة القانونية.
رابعاً: المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان
وتتمثل في مجموعة من القيم والمبادئ التي تقوم عليها منظومة حقوق الإنسان، وفي مقدمتها الكرامة الإنسانية، والحرية، والمساواة، والعدالة، وعدم التمييز، وحماية الإنسان من التعذيب والمعاملة اللاإنسانية. وقد أسهم الإعلان العالمي في ترسيخ هذه المبادئ باعتباره معياراً عالمياً لحماية حقوق الإنسان.
خامساً: السيادة والاستقلال وتقرير المصير
تشكل سيادة الدول واستقلالها وسلامة أراضيها من المبادئ المركزية في النظام الدولي. وفي الوقت نفسه، يقر القانون الدولي مبدأ تقرير المصير للشعوب في سياقاته القانونية المعترف بها، وقد نص ميثاق الأمم المتحدة والعهدان الدوليان على مبدأ تقرير المصير.
وهنا ينبغي التعامل مع تقرير المصير ضمن إطاره القانوني الدقيق؛ فهو ليس قاعدة عامة تبرر تلقائياً تفكيك الدول أو تجاوز سلامتها الإقليمية، وإنما يرتبط بقواعد وظروف وسياقات محددة في القانون الدولي.
سادساً: الدستور والقوانين الوطنية
لا تتوقف الحرب القانونية عند حدود القانون الدولي، بل تمتد إلى النظام القانوني الداخلي للدولة. فالدستور يمثل القاعدة العليا داخل النظام الوطني، وتأتي القوانين والتشريعات النافذة في مرتبة تالية وفقاً للنظام الدستوري لكل دولة. ومن ثم فإن أي موقف قانوني يتعلق بالنزاع أو باستخدام القوة أو حماية الحقوق يجب أن يدرس أيضاً في ضوء الدستور والقوانين الوطنية والاختصاصات التي تحددها السلطات المختصة.
وهكذا، فإن الحرب القانونية ليست مصدراً قانونياً مستقلاً بالمعنى الفني لمصادر القانون الدولي، وإنما هي مجال لاستخدام مجموعة متداخلة من المصادر والقواعد القانونية في إدارة الصراع. فالمعاهدة قد توفر قاعدة، والعرف قد يكملها، ومبادئ القانون قد تساعد في تفسيرها، وقرارات المؤسسات الدولية قد تسهم في تحديد الموقف الدولي، بينما يوفر القانون الوطني الإطار الدستوري والتشريعي الداخلي.
وفي المحصلة، فإن قوة الحرب القانونية لا تقاس بكثرة النصوص التي يتم الاستناد إليها، وإنما بسلامة اختيار القاعدة القانونية، وصحة تفسيرها، وانطباقها على الواقعة، ودقة توثيق الأحداث والأدلة، والقدرة على بناء حجة قانونية متماسكة. ولهذا أصبحت المعرفة بالقانون الدولي وحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني والقانون الوطني من أدوات الصراع المعاصر، تماماً كما أصبحت المعلومات والإعلام والاقتصاد والدبلوماسية أدوات مؤثرة في إدارة النزاعات.
**ففي الحرب التقليدية تُستخدم القوة لتغيير واقع الميدان، أما في الحرب القانونية فتُستخدم القاعدة لإثبات الحق، وتحديد المسؤولية، وتوثيق الانتهاك، وبناء الموقف الذي يستند إلى القانون.**




