حين تتغير قواعد الحرب في سماء أيران .؟
طه حسن الأركوازي ||

في الحروب الحديثة لا تُقاس قوة الدولة بعدد الطائرات التي تمتلكها فقط ، ولا بعدد الصواريخ المخُزنة في المستودعات ، بل بقُدرتها على إعادة تعريف مُعادلة الكُلفة والمخاطرة والانتشار ، ومن هذه الزاوية يمكن قراءة الخطوة الإيرانية التي أُعلن عنها عندما أُدخلت مسيّرات «كرار» المُسلحة بصواريخ «مجيد» “جو-جو ” إلى وحدات الدفاع الجوي .
المسألة هنا ليست مُجرد إضافة سلاح جديد إلى ترسانة قائمة ، وإنما محاولة لبناء طبقة أعتراض جوية مختلفة :
منصة غير مأهولة تستطيع البحث عن أهداف جوية والاشتباك معها ، بدلاً من الاعتماد في كُل حالة على طائرة مقاتلة مأهولة .
وقد أعلنت إيران أن «مجيد» يعتمد على باحثين حراري وبصري ، وأن استخدام «كرار» يهدف إلى تنفيذ مهام دفاع جوي بتكُلفة ومخاطر أقل من أستخدام الطائرات المأهولة .
القراءة المهنية تقتضي ألا نذهب أبعد من المعلومات المتاحة ، فوجود المُسيرة المُسلحة لا يعني أنها أصبحت بديلاً عن منظومات الدفاع الجوي التقليدية ، ولا يعني أن الطائرات المتقدمة أصبحت عاجزة أمامها .
كما أن الحديث عن سماء لا يمكن اختراقها أو شبكة لا يمكن تدميرها ينتمي إلى لغة الحرب النفسية أكثر مما ينتمي إلى التقييم العسكري ، فكل منظومة دفاعية مهما بلغت كفاءتها يُمكن أكتشافها أو التشويش عليها أو أستهداف مكوناتها إذا توفرت للخصم القدرة الاستخبارية والتقنية المناسبة .
مع ذلك ، فإن أهمية الفكرة لا ينبغي التقليل منها ، فالحرب الدائرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل منذ شباط 2026 أظهرت أن الصراع لم يعد محصوراً في الطائرات والصواريخ بعيدة المدى ، بل أصبح صراعاً على منظومة الاستنزاف نفسها :
من يملك القُدرة على مُواصلة القتال بأقل كُلفة ، ومن يستطيع إنتاج البدائل بسرعة ، ومن يستطيع تعويض ما يفقده قبل أن يتحول التفوق التقني إلى عبء مالي ولوجستي .؟
وتشير التطورات الأخيرة إلى أستمرار الضربات والضغوط الاقتصادية ومحاولات خنق قُدرة إيران على الحركة ، بالتوازي مع أستمرار طهران في أستخدام الصواريخ والمُسيرات والضغط على حركة الملاحة .
وهنا تظهر قيمة المُسيرات في العقيدة الدفاعية الإيرانية ، فالدولة التي تواجه خصماً يمتلك تفوقاً واسعاً في الطيران والاستخبارات والاستشعار ، قد تحاول تعويض جُزء من الفارق بتحويل السماء إلى مساحة أكثر تعقيداً وأعلى كلفة للخصم ، فليست الفكرة أن المُسيرة أقوى من المُقاتلة ، وإنما أن كثرة المنصات وتوزيعها وقُدرتها على الانتشار قد تفرض على الخصم أن ينفق موارد أكبر لاكتشافها وتعقبها وأعتراضها .
وهذا ليس درساً إيرانياً فقط ، فالتجارب التي مرت بها دول عديدة خرجت من حروب طويلة وأزمات وأنهيارات أقتصادية ومُؤسسية أظهرت أن العودة إلى الحياة لم تبدأ بإعادة تشييد ما تهدم فحسب ، بل بإعادة بناء القُدرة على التعلُم والتكيف وإنتاج الحلول المحلية ، بعضها بدأ من أقتصاد مُنهك ، وبعضها من بُنية عسكرية مُدمرة ، وبعضها من دولة فقدت جُزءاً كبيراً من مؤسساتها ، لكنها أستطاعت تدريجياً تحويل آثار الأزمة إلى خبرة تراكمية .
وهنا تكمن المسألة الأعمق في الصراع “الإيراني، الأمريكي ، الإسرائيلي” فالحرب الباردة بين الأطراف الثلاثة لم تعد تعتمد فقط على مَن يملك السلاح الأكثر تطوراً ، وإنما على مَن يستطيع تحويل الضغط إلى قُدرة على الاستمرار .
الولايات المتحدة وإسرائيل تُراهنان على التفوق الجوي والاستخباري والتكنولوجي والعقوبات .؟
بينما تراهن إيران على الجغرافيا ، والعمق ، والمُسيرات ، والصواريخ ، وتعدد ساحات الضغط الفعلية ، والقدرة على تحمل الاستنزاف .
والنتيجة حتى الآن لا تسمح بإعلان حسم نهائي لأي طرف ، فالحرب المُمتدة أظهرت أن التفوق العسكري يمكن أن يحقق أضراراً كبيرة ، لكنه لا يتحول بالضرورة إلى تسوية سياسية ، كما أن القُدرة على الصمود لا تعني بالضرورة تحقيق نصر أستراتيجي .؟
وحتى أزمة الملاحة في هرمز أصبحت جُزءاً من معادلة الصراع الأوسع ، بما تحمله من آثار على الطاقة والاقتصاد العالمي .
لذلك ، فإن «كرار» ليست وحدها القصة ، كما أن الطائرة المقاتلة ليست وحدها الحل .؟
القصة الحقيقية هي أنتقال الحرب من منطق السلاح الأقوى إلى منطق المنظومة الأكثر قُدرة على التكيف والاستمرار .
وفي هذه الحرب الباردة المفتوحة ، قد يكون السؤال الأكثر أهمية ليس من يملك السماء ، بل من يستطيع أن يبقى واقفاً عندما تنتهي الجولة الأولى ، وتبدأ الجولة التي بعدها …!




