الجمعة - 18 سبتمبر 2026

قال تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ..!

منذ ساعة واحدة
الجمعة - 18 سبتمبر 2026

✍ السيد بلال وهبي ||

 

 

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)

قال تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿سورة البقرة: 257﴾.

الإنسان كائن لا يستطيع أن يستغني عن الهداية في حياته، فهو لا يولد عارفًا بكل ما يصلحه، ولا يملك من العلم ما يحيط بعواقب أفعاله، ولا يستطيع بعقله المحدود أن يستكشف وحده جميع طرق الخير والشر، ولا أن يعرف على وجه اليقين الغاية التي ينبغي أن يتجه إليها في هذه الحياة وما ينتظره بعد الموت. ولذلك كان محتاجًا إلى من يهديه، ويرشده، ويضع له معيارًا يميز به الحق من الباطل، والخير من الشر، والطريق المستقيم من طرق الانحراف.

وهذه الحاجة لا تنتهي بانتهاء الحياة الدنيا، لأن الإنسان، في التصور القرآني، لا ينتهي بالموت، وإنما ينتقل إلى حياة أخرى يُسأل فيها عمّا اختار وسلك. ومن ثم فإن حاجته إلى الهداية ليست حاجة مرحلية مرتبطة بظروف الدنيا فحسب، وإنما هي حاجة تتصل بمصيره كله.

ومن هنا نفهم أهمية الولاية. فالولاية في أصلها تدور حول معنى القرب، ومنه تولّي الأمر والقيام عليه. والولي هو الذي يتولى شؤون من تحت ولايته، ويرشده ويحفظه ويقوده فيما يحتاج فيه إلى الهداية والتدبير.

والإنسان، شئنا أم أبينا، يعيش تحت نوع من الولاية، فهو يتلقى من جهة مّا تصوره عن الحياة، ويأخذ من جهة مّا معايير النجاح والفشل، ويستمد من جهة مّا منظومته القيمية، ويرجع إلى جهة مّا حين يختلف عليه الأمر. وقد تكون تلك الجهة وحيًا إلهيًا، وقد تكون عقلًا مستنيرًا يهتدي بالوحي، وقد تكون هوى، أو جماعة، أو سلطة، أو ثقافة، أو مصالح، أو أفكارًا لا يشعر الإنسان أصلًا بأنها أصبحت صاحبة الولاية عليه.

هنا تأتي الآية الكريمة لتضع القضية في صورتها الحقيقية: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.

حيث نجد أن إن الآية تبدأ بالولي، وهو الله تعالى، ولي ما دونه من الأولياء، ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. يتلَقَّون منه الهداية، ويحتكمون إلى أمره، ويجعلون رضاه معيارًا أعلى في حياتهم، ويستمدون من وحيه الميزان الذي يضبط به أفكارهم ومواقفهم وسلوكهم.

ومما لا شك فيه أن هذه الولاية الإلهية لا تعني أن الإنسان مسلوب الإرادة، ولا أن الله يجبره على طريق لا يختاره، وإنما تعني أن الله يفتح له أبواب الهداية، ويقيم له الحجج، ويرشده إلى سبيل الرشد، ويعينه على السير فيه متى اختاره وآمن به. فالإنسان هو الذي يؤمن ويختار ويعمل، والله هو الولي الذي يهديه ويأخذ بيده في سيره التكاملي.

ولعل هذا هو أحد أسرار التعبير القرآني: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾. فحتى المؤمن لا يستغني عن ولاية الله، لأن الهداية ليست مرحلة يصل إليها الإنسان ثم يستغني عنها، وإنما هي حاجة متجددة مع كل مرحلة من مراحل حياته. فقد يخرج الإنسان من ظلمة الشرك، لكنه يحتاج إلى الخروج من ظلمة الجهل. وقد يخرج من ظلمة الجهل، لكنه يحتاج إلى الخروج من ظلمة الهوى.

وقد يعرف الحق، لكنه يحتاج إلى توفيق ليصدع به.

وقد يستقيم في مرحلة، ثم يحتاج إلى هداية تحميه من الانحراف في مرحلة أخرى. ولهذا كان الدعاء الذي يتكرر على لسان المؤمن كل يوم: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. لأن السير إلى الله حركة مستمرة، والإنسان محتاج في كل خطوة إلى هداية ربه.
وفي المقابل، تكشف الآية الوجه الآخر للولاية: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾.

فكما أن المؤمن لا يعيش بلا ولي، فإن الكافر أيضًا لا يعيش بلا ولي، ولكنه حين يرفض ولاية الله يصبح وليه الطاغوت مباشرة.

والطاغوت، كل ما طغى وتجاوز حدّه حتى تحول إلى مرجعية باطلة تنازع الله سلطانه على الإنسان. وقد يكون شخصًا أو نظامًا أو فكرة أو هوى أو ثقافة حين تتحول إلى سلطة تستولي على عقل الإنسان وضميره، وتحدد له الحق والباطل بعيدًا عن هداية الله.

ومن هنا يتبين أن القضية الأهم في حياة الإنسان: من هو وليه وإلى أين يقوده؟. فالله وليّ المؤمنين، يخرجهم من الظلمات إلى النور. والطاغوت وليّ الكافرين، يخرجونهم من النور إلى الظلمات. فهذه حركة متعاكسة تمامًا. المؤمن يتحرك باتجاه النور، والطاغوت يحرك الإنسان باتجاه الظلمات. فإذا كانت الولاية لله، كان الطريق -وإن اشتد وتعددت امتحاناته- طريقًا إلى النور. وإذا استولى الطاغوت على الولاية، فقد يبدأ الطريق بشعارات برَّاقة، لكنه ينتهي بالإنسان في ظلمات متعددة، لأنه فقد النور الذي يكشف له الطريق.

✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم الجمعة الواقع في: 18/9/2026 الساعة (05:16)