صناعة الخوف في خطاب القنوات الإعلامية… الغايات و آليات التصدي..!
هادي بدر الكعبي ||

* مهاد :-
شهدت الساحة الإعلامية العراقية خلال السنوات الأخيرة تصاعداً ملحوظاً لدى بعض القنوات الإعلامية في صناعة خطاب الخوف من مغبة أي محاولة للتصدي للهيمنة الأميركية أو الوقوف بوجه غطرستها علماً أن خطاب تلك القنوات لم يعتمد على مسار واحد وإنما استخدم أدوات متعددة ومستويات مختلفة تتداخل فيها السرديات السياسية والمؤثرون والحملات الإعلامية والتفاعلات الإدراكية.
* أولاً / الأسس والمرتكزات :
يعتمد خطاب التخويف لدى تلك القنوات الإعلامية على ثلاثة عناصر أساسية متداخلة وهي :
أ- التهويل بالسيناريو الأسوأ : من خلال تصوير أي محاولة لتقليل الهيمنة الأميركية على البلاد بأنها انتحار اقتصادي وسياسي وأمني شامل مع وجود تجاهل متعمد لكافة الأعمال التي تقوم بها القوات الأمريكية داخل الساحة العراقية علماً أن هذا التهويل لا يستند إلى تحليل موضوعي بل يستند إلى افتراض مسبق بأن العراق عاجز تماماً عن بناء أي بديل وهو افتراض يخدم الأجندة الأميركية أكثر مما يخدم المصلحة العراقية .
ب- قلب السبب والنتيجة : و يتم في هذا الأساس المُمنهجي جعل أي محاولة للتخلص من الهيمنة الأميركية بأنه خطوة لتدمير البلاد وأن من يريد عكس ذلك فهو الحريص على استقراره وهذا المنهج ليس بجديد في الخطاب المستخدم لدى بعض القنوات الإعلامية بل أنه أسلوب متبع في إعادة إنتاج الهيمنة ولكن بأشكال جديدة .
ج- إنتاج العجز والإحباط : عبر تكرار عبارات مثل ( لا نملك أي خيار لمواجهة الهيمنةالأميركية ) و ( ليس لدينا قدرة على مواجهة أميركا ) و ( البديل سيكون أسوأ مما نحن عليه ) بغية إنتاج جمهور يشعر بالخوف والعجز و ترسيخ القناعة لديه بأنه فعلاً لا بديل عن الهيمنة الأميركية وأن أية محاولة لتغيير المعادلة الراهنة فإنها محكومة بالفشل حتى يتم إجهاض أي نقاش جدي أو محاولة للتخلص من الوجود الأمريكي داخل البلاد .
* ثانياً / الأهداف والغايات :
تسعى القنوات الإعلامية التي تعمل على صناعة خطاب الخوف في المشهد العراقي إلى تقديم خطابها بوصفه خطاباً واقعياً يهدف إلى حماية البلاد من الانهيار الاقتصادي وتجنيبها التداعيات السلبية المحتملة على خلاف الرؤى الأخرى التي تُطرح لغرض معالجة الوجود الأميركي في البلاد وقد تبدو هذه الأهداف في ظاهرها مشروعة إذ لا أحد يتمنى انهياراً اقتصادياً ولا خضوعاً للهيمنة الأميركية غير أن الإشكالية الجوهرية تكمن في تقديم هذه الأهداف والغايات بوصفها الخيار الوحيد الممكن و أن أي خيار آخر يعني الانهيار الحتمي وهذا الطرح الثنائي هو جوهر الخطاب المُضلِّل مما يستدعي بيان أهدافه و غاياته الحقيقية التي تتمثل في :
١- العمل على تشويه صورة ومكانة فصائل المقاومة وتحميلها مسؤولية الأزمات واستبدال صورة الردع بسرديات تُرسخ العجز والاستسلام لدى الجمهور بغية تحويل الوجود الاميركي بنظره إلى وجود مبرر ومقبول .
٢- إبقاء البلاد رهينة للإرادة الأميركية في السياسات الخارجية والقرارات المصيرية ومنع أي محاولة لتعديل موازين القوى وإفشال أي مشروع نحو الاستقلال حتى لو كان تدريجياً مع تبرير هذه الهيمنة بوصفها قدراً لا مناص منه .
٣- إيجاد طبقة سياسية جديدة مهمتها إدارة الأزمة لا حلها وتكون قادرة على تسويق الخضوع بأنه مسار واقعي و سياسي وتقديم التنازلات على أنها حكمة وبراغماتية مع محاولة إقصاء أي جهد بديل يحمل مشروعاً تحررياً .
٤- منع أي محاولة لتنويع مصادر الدخل والوقوف بوجه أي جهد لبناء قدرة ذاتية وطنية بهدف إبقاء البلاد ضمن دائرة النفوذ الأميركي وضمان استمرار تبعيتها الاقتصادية .
٥- إعادة صياغة مفهوم الوطنية بكونه مرادفاً للاعتدال و مسايرة المتغيرات الإقليمية والدولية لاسيما تلك التي حدثت مؤخراً في المنطقة وتشويه صورة قوى المقاومة بوصفها أطراف مغامرة أو تابعة للمحور الإيراني بغية إفراغها من مضمونها التحرري .
٦- تعميق ثقافة الخوف لدى الجمهور وتشويه أي خطاب تحرري وإجهاض أي إرادة تسعى للوقوف بوجه الغطرسة الأميركية قبل أن تتشكل وصولاً إلى إقناع الجمهور بأن كل القوى السياسية وغيرها عاجزة عن صناعة أي بديل .
٧- رفع شعار الاستقرار فوق كل القيم الأخرى من قبيل السيادة ومقاومة الوجود الاميركي وجعل الحديث عن المقاومة بأنه تهديد للاستقرار السياسي والأمني من أجل تحويل الخوف من الفوضى إلى مسار لتعطيل أي مشروع وطني يقف بوجه الهيمنة الأميركية .
٨- محاولة منع العراق من لعب أي دور إقليمي فاعل وإبقاؤه منشغلاً بأزماته الداخلية كونه يشكل تهديداً للمشروع الصهيوأميركي .
٩- استخدام الملفات الاقتصادية في البرامج التي تُبث من قبل تلك القنوات الإعلامية كأدوات للضغط النفسي بغية دفع الجمهور للقبول بالوجود الأميركي وتصوير أي رفض له بأنه انتحار سريع وتهديد لمصالح الشعب .
١٠- محاولة إضعاف العلاقة مع الجمهورية الإسلامية عبر تصويرها بأنها سبب الأزمات الاقتصادية والسياسية وربط مشاكل العراق بالوجود الإيراني وتحويل النقاش من آثار الوجود الأميركي إلى سؤال لماذا يدفع العراق ثمن صراع الآخرين بغية خلق شرخ بين بغداد وطهران .
* ثالثاً / آليات التصدي :
١- التركيز على أن الترهيب المسبق الذي تمارسه تلك القنوات الإعلامية تجاه أي محاولة لتقليل الهمينة الأمريكية وارخاء قبضتها على المشهد العراقي إنما هو إعادة إنتاج المعادلة الظالمة التي كنا نعاني منها سابقاً ولكن بمسار جديد .
٢- الإشارة إلى أن دعوات التهدئة و عدم المغامرة التي تسوقها تلك القنوات إنما هي عنوانات ظاهرية تُخفي تحتها مخططاً لتكريس الوصاية الأميركية أي أن التهدئة ليست هدفاً في حد ذاتها بل هي وسيلة لضمان استمرار الوضع الراهن دون أي تغيير .
٣- بيان أن الضغوط الأميركية لا تقف عند الملف الاقتصادي بل تتعداه إلى فرض شروط والتزامات على مواقف العراق الإقليمية والدولية وهذا ما ينبغي أن يكون واضحاً في أي خطاب مضاد .
٤- التأكيد على أن خطاب التخويف الذي تستخدمه تلك القنوات الإعلامية إنما هو مقدمة لإحداث التغيير في المسار السياسي والأمني داخل البلاد و بما يخدم المصالح الأميركية ويضعف قدرة العراق على المناورة بين الدول المؤثرة .
٥- الاستغراب من الدعوات التي تستهدف التجربة الشيعية بعينها دون غيرها مما يؤكد الانتقائية والأجندات المشبوهة لدى تلك القنوات الإعلامية .
٦- الإشارة إلى أن بناء القدرات الاقتصادية للبلاد تمثل ركيزة أمنية أساسية لمنع أي سيناريو يمكن أن ترسمه أميركا تجاه العراق مما قد يؤدي إلى أزمات متعددة و تداعيات خطيرة .
٧- التأكيد على تعزيز وحدة الموقف الشيعي وعدم السماح بالانقسام والتشظي والتمسك بخيار السيادة وتقوية الجبهة الداخلية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وجعلها ضرورة حتمية لحفظ أمن البلاد .
٨- التحذير من المخطط الأميركي الذي لا يهدف فقط لإبقاء التبعية الاقتصادية بل إلى إعادة ضبط المنظومة المالية العراقية ضمن المنظومة الأميركية لتكون خاضعة لمراقبتها وسيطرتها الشاملة .
٩- التأكيد على أن مواجهة خطاب التخويف يتطلب بناء جدار حماية معرفي يحصن الجمهور من التضليل الإدراكي .




