عندما يغيب القانون..!
كوثر العزاوي ||

كوثر العزاوي
عندما نريد التحدث عن الفساد وأنواعه، نجد أنّ الفساد الأخلاقي هو أخطر أنواع الفساد، بل هو الأساس للعديد من الرذائل والموبقات، وهو المنطلق الذي تبنى عليه بقية أنواع الفساد الأخرى، مثل الفساد المالي، والإداري، والسياسي.
أمّا كيف يؤسس الفساد الأخلاقي للأنواع الأخرى؟.
عندما ينهار المنظور الأخلاقي لدى الفرد، يغيب الوازع والضمير عن صاحبه، فيسهل عليه تبرير السلوكيات الخاطئة مثل: السرقة، الرشوة، الأبتزاز، أو استغلال النفوذ دون الشعور بالذنب، فينشأ الفساد الإداري والمالي في المحيط الوظيفي مثلًا.. يتسنى للموظف أو المسؤول الذي يفتقر للأمانة والنزاهة -وهي قيمٌ أخلاقية- القيام باختلاس الأموال العامة، أو قبول الرشاوى، أو محاباة الأقارب على حساب الكفاءات، وذلك بكل سهولة واستهتار.
ثم تتسع دائرة الفساد لتصل الى نقطة مركزية للفساد السياسي، ويبدأ عندما يتخلى أصحاب القرار عن مسؤوليتهم الأخلاقية تجاه المجتمع، مما يدفعهم لتقديم مصالحهم الشخصية والحزبية على المصلحة العامة.
وباختصار: الأخلاق هي خط الدفاع الأول في أي مجتمع، وإذا انهارت، انفتحت الأبواب لكل أشكال الفساد الأخرى، الذي بيّنها الله تعالى صريحة عِبر الآيات البينات في كتابه الكريم في موارد كثيرة، فليراجع.
وبعد هذه المقدمة، ثمة كلام ينتشر في الأوساط الشعبية وعبر مواقع السوشيال ميديا:
إنّ في بغداد، يلقِّب بعضهم أنفسهم بـ«26»، وهؤلاء يقيمون حفلات مختلطة وماجنة، في مشهد يثير سؤالًا أكبر من الحفل نفسه: إلى أين يتجه مجتمعنا إذا استمر الصمت عن مثل هذه المظاهر؟
والى متى يغض القانون النظر عن هكذا حفلات تمجد بالطاغية وتدعو الى التغني باسمه ورفْع صوره، تحديا للقانون الذي ينصّ على تجريم من يمارس هذا الفعل؟!
ترى من يحمي المجتمع والجيل من هذه الممارسات المنحرفة والخادشة للحياء؟ فضلًا عن خطورة تحويل الانحراف إلى ثقافة، والتسيّب إلى حرية، والتجاوز على قيم المجتمع إلى أمر اعتيادي وعلى الناس أن تألفهُ!!.
وهنا لا بد أن نتوقف عند مسؤولية الدولة قبل أن نتحدث عن مسؤولية الأسرة والمؤسسات الدينية والمجتمعية، وهي الأخرى عليها واجب التوجيه والمراقبة.
فالحكومة ليست معنية فقط بتوفير الخدمات وإدارة المؤسسات ومكافحة الفساد المالي في اعماق الدولة، بل من واجبها أيضًا فرض قانون العقوبات بقوة وحرص، وأن تحمي السِّلم المجتمعي من خطر الانتهاكات التي تهدّد أمن المجتمع العراقي وقيَمهِ وتقاليده، وفقًا للقانون وبعيدًا عن الانتقائية أو الفوضى، “فمَن أمِنَ العقاب أساء الأدب”.
إنّ الصمت الرسمي عن الظواهر الخطيرة التي تمس القيم والأعراف، يمنحها مساحة أكبر للانتشار والتجرؤ، أي بمعنى أن يكون ثمّة قانون واضح يُطبَّق على الجميع، باسم مكافحة الفساد الأخلاقي، الذي يؤسس بلا شك الى الفساد المالي والإداري والسياسي.
أما المجتمع، فتقع عليه مسؤولية حماية القيم، والحفاظ على التقاليد والأعراف الشريفة، من خلال متابعة الأبناء والبنات، وصون العائلة، بنبذ مثل هذه التجمعات ومقاطعتها، قبل وقوع الكارثة، واستنزاف الضمائر.
لذا، ينبغي القضاء على هذه المحطات الهدّامة، بسلاح الوعي والحرص، وتحمّل المسؤولية، في ظلّ تظافر الجهود، بِدءً من الأسرة، والمدرسة، والإعلام، ومن كل صاحب كلمة وقلَم، وصوت مسؤول عن حفظ كرامة المجتمع والبلد، والنأي به من خطر الانحراف الأخلاقي.
إنه العراق.. بلد الحضارات والمقدسات، ومستقبل عاصمة العالَم، بقيادة الامل الموعود والقائد الأقدس”عجل الله فرجه الشريف”
فلا يليق به ما نشاهد من ظواهرَ تؤلم قلب الغيور، فهو يحتاج اليوم إلى قانون حازم، ومجتمع واعٍ، وحكومة تَعي أنّ حماية المجتمع من الانفلات والتحلّل، مسؤولية خطيرة على البلد، فلا يجوز أن تُترك للصمت والتهاون، فالصمت الرسمي وعدم تفعيل قوانين الضبط، هو جزء من المشكلة.
“وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللهِ عَظِيمٌ”.
٢-ربيع الآخر-١٤٤٨هـ
١٤-أيلول- ٢٠٢٦م




