الاثنين - 14 سبتمبر 2026

بين هرمز وباب المندب: هل تتشكل معادلة بحرية جديدة في الشرق الأوسط؟!

منذ ساعة واحدة
الاثنين - 14 سبتمبر 2026

أ. محمد البحر المحضار ||

 

 

 

لم تعد الصراعات في الشرق الأوسط تُقاس فقط بعدد الصواريخ التي أُطلقت، أو المواقع التي سقطت، أو المساحات الجغرافية التي انتقلت من طرف إلى آخر؛ فثمة ميدان آخر أكثر اتساعًا وأشد تأثيرًا بدأ يفرض نفسه على حسابات الحرب، هو ميدان الممرات البحرية والطاقة وسلاسل الإمداد.

وفي منطقة تتقاطع فيها الجغرافيا العسكرية مع الاقتصاد العالمي، يصبح المضيق البحري أكثر من مجرد ممر للمياه؛ إذ يمكن أن يتحول إلى ورقة ضغط، وأداة ردع، ومصدر لرفع كلفة الحرب، بل وإعادة صياغة حسابات الدول والشركات والأسواق.

ومن هنا تبرز مجموعة من الأسئلة التي تتجاوز حدود الجبهة اليمنية أو المواجهة الإيرانية ـ الأمريكية:
ماذا تعني التطورات المتسارعة على الساحل الغربي لليمن وبالقرب من باب المندب؟
وكيف تتقاطع مع الاضطراب المستمر في مضيق هرمز؟
وما دلالة استهداف خط الأنابيب السعودي شرق ـ غرب في لحظة تتعرض فيها طرق تصدير الطاقة لضغوط متزامنة؟
وهل نحن أمام مجرد تزامن ميداني، أم أمام تشكل تدريجي لمعادلة بحرية جديدة تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر؟

أولًا: الخبر قبل التحليل:
المشهد الميداني خلال الأيام الأخيرة شهد تطورات لافتة على أكثر من محور.

ففي اليمن، تحدثت تقارير عن تقدم قوات أنصار الله على الساحل الغربي ووصولها إلى مناطق شديدة الحساسية بالقرب من باب المندب، بما في ذلك ذُباب، والوصول إلى جزيرة ميون الاستراتيجية الواقعة في قلب المضيق، في تطور يحمل أهمية جغرافية مباشرة بالنسبة إلى حركة الملاحة في أحد أهم الممرات البحرية العالمية.
كما تحدثت تقارير أخرى مؤكدة عن السيطرة الكامله على مدينة المخا ومواقع ساحلية أخرى من قبل حكومة صنعاء المعروفة باسم أنصار الله.

وفي السعودية، تعرض خط الأنابيب شرق ـ غرب لهجوم بطائرات مسيّرة أدى إلى توقفه مؤقتًا.
ويبلغ طول الخط نحو 1,200 كيلومتر، وتقدر طاقته التشغيلية بنحو 4 إلى 5 ملايين برميل يوميًا، وهو مسار استراتيجي صُمم أصلًا لتوفير طريق بديل لنقل النفط السعودي من مناطق الإنتاج في الشرق إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بما يخفف الاعتماد على المرور عبر مضيق هرمز.

وفي الجهة الأخرى من المشهد، استمر الانخفاض الحاد في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.
ووفق بيانات حديثة، لم يتجاوز عدد سفن السلع التي خرجت من المضيق خلال عطلة نهاية الأسبوع أربع سفن، مقابل عشر سفن دخلت الخليج، بينما كان المتوسط السابق لعشرة أيام يقارب 14 سفينة يوميًا. وفي المقابل، بقيت حركة الملاحة عبر باب المندب عند 24 و27 سفينة يوم السبت والأحد، وهي أرقام قريبة من متوسط الأيام العشرة السابقة.

ولإدراك حجم التحول في المشهد الملاحي، تكفي الإشارة إلى أن مضيق هرمز كان يشهد، قبل اندلاع الحرب، نحو 125 عبورًا للسفن يوميًا، وفق ما أوردته رويترز في 14 سبتمبر/أيلول 2026. ويكشف هذا الرقم عن الفارق الكبير بين طبيعة الحركة الملاحية قبل الحرب وما آلت إليه في ظل المخاطر الأمنية والقيود المفروضة على الملاحة.
غير أن المقارنة الرقمية المباشرة بين رقم 125 عبورًا يوميًا وبين متوسط 14 سفينة يوميًا في الوضع الراهن ليست دقيقة منهجيًا؛ فالرقم الأول يمثل إجمالي عبور السفن عبر المضيق قبل الحرب، بينما يشير الرقم الثاني إلى متوسط حركة ضمن فئة محددة من سفن السلع خلال الفترة الحالية.
ولذلك، فإن قيمة الرقم هنا لا تكمن في احتساب نسبة انخفاض مباشرة، بقدر ما تكمن في إظهار حجم التحول والانكماش في البيئة الملاحية التي يعمل ضمنها المضيق حاليًا.

وهنا تحديدًا تبدأ المسألة بالتحول من مجرد أخبار متفرقة إلى سؤال استراتيجي متكامل.

ثانيًا: هرمز وباب المندب… جغرافيا واحدة بمعادلتين مختلفتين:

مضيق هرمز هو البوابة البحرية التي تصل الخليج العربي بخليج عُمان وبحر العرب، بينما يصل باب المندب البحر الأحمر بخليج عدن وبحر العرب.

وبلغة الطاقة، فإن هرمز يمثل أحد أهم مخارج النفط والغاز من الخليج، بينما يمثل باب المندب بوابة بحرية رئيسية بين المحيط الهندي والبحر الأحمر وقناة السويس، ومن ثم بين آسيا وأوروبا.

وتكشف الأرقام حجم أهمية هذين الممرين.

فوفق إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، بلغ متوسط تدفقات النفط والسوائل النفطية عبر هرمز في النصف الأول من عام 2025 نحو 20.9 مليون برميل يوميًا، بما يعادل قرابة 20% من استهلاك السوائل النفطية العالمي ونحو ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا، كما مر عبره أكثر من 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية. وفي الفترة نفسها بلغ متوسط التدفقات النفطية عبر باب المندب نحو 4.2 مليون برميل يوميًا.

لكن الصورة تغيرت بصورة كبيرة مع تطورات 2026.

فبيانات إدارة معلومات الطاقة للفصل الثاني من عام 2026 تشير إلى انخفاض متوسط تدفقات النفط والسوائل عبر هرمز إلى 4.9 مليون برميل يوميًا، مقارنة بـ 21.6 مليون برميل يوميًا في الربع الرابع من عام 2025.
وفي المقابل، بلغت التدفقات عبر باب المندب نحو 8.1 مليون برميل يوميًا في الربع الثاني من 2026، وهو رقم يعكس بدرجة كبيرة إعادة توجيه بعض التدفقات بعيدًا عن هرمز عبر المسارات البديلة.

وهذه المقارنة الزمنية مهمة؛ لأن الأرقام لا تنتمي إلى الفترة نفسها، وإنما تكشف التحول الكبير في أنماط حركة الطاقة نتيجة تطورات الصراع.

فهرمز هو بوابة الخروج من الخليج، وباب المندب هو إحدى بوابات الوصول إلى البحر الأحمر، ومنه إلى قناة السويس والبحر المتوسط.

ولهذا فإن التأثير في أحدهما لا يعني بالضرورة السيطرة على الآخر، لكن الضغط المتزامن على كليهما يمكن أن يغيّر حسابات النقل والطاقة والتأمين والأسواق بصورة تتجاوز القيمة العسكرية المباشرة للمضيقين.

ثالثًا: من الجبهة اليمنية إلى العمق السعودي… «اختناق البدائل»

ربما تكون هذه النقطة هي الأكثر أهمية في قراءة المشهد الحالي.

فالقوة الاستراتيجية لأي طريق لا تُقاس فقط بحجم ما ينقله، وإنما أيضًا بحجم البدائل المتاحة عند تعطله.

لقد صُمم خط الأنابيب السعودي شرق ـ غرب تحديدًا كأحد البدائل الاستراتيجية لمضيق هرمز.
وتستطيع خطوط الأنابيب في السعودية والإمارات توفير جزء مهم من الطاقة التي يمكن أن تتجاوز هرمز في حال حدوث اضطراب في المضيق.

لكن ماذا يحدث عندما يتعرض هذا البديل نفسه للضغط في اللحظة التي يكون فيها هرمز مضطربًا أصلًا؟

هنا تظهر فكرة يمكن تسميتها «اختناق البدائل».

أي أن المعادلة لا تعود:
هرمز مضطرب… فلنستخدم الطريق البديل.

بل تصبح:
هرمز مضطرب، والطريق البديل معرض للضغط، والبحر الأحمر نفسه يحمل مستوى أعلى من المخاطر.

وهذه ليست مجرد مسألة عسكرية، بل مسألة تتعلق بمرونة منظومة الطاقة بأكملها.

وبحسب تقارير حديثة، فإن استمرار توقف خط شرق ـ غرب لعدة أيام قد يهدد جزءًا يصل إلى نحو 4% من الإمدادات النفطية العالمية، خصوصًا مع محدودية بعض البدائل اللوجستية المتاحة.

ومن هنا تتغير صيغة السؤال.

لم يعد السؤال فقط:
«كم موقعًا عسكريًا سقط؟»

بل أصبح أيضًا:
«كم خيارًا استراتيجيًا بقي مفتوحًا أمام الخصم؟»

وهذا هو جوهر الحرب الحديثة؛ إذ قد لا تحتاج إلى إغلاق كل الطرق حتى تحقق أثرًا استراتيجيًا، بل يكفي أحيانًا أن تجعل البدائل أكثر تكلفة، وأكثر خطورة، وأقل قدرة على الاستمرار.

رابعًا: إيران وواشنطن… من السيطرة الجغرافية إلى إدارة الاختناق

في مواجهة من هذا النوع، لا تحتاج دولة أو قوة إقليمية بالضرورة إلى السيطرة المباشرة على كل شبر من الجغرافيا البحرية حتى تؤثر في حركة التجارة.

فمجرد القدرة على رفع مستوى المخاطر في الممرات البحرية يمكن أن يؤدي إلى نتائج متسلسلة: ارتفاع تكاليف التأمين، وارتفاع أجور النقل البحري، وإعادة توجيه السفن، وزيادة مدة الرحلات، وارتفاع أسعار الوقود، وتراجع الاستثمارات، واضطرار القوى الكبرى إلى إعادة توزيع قدراتها العسكرية.

وقد انعكست المخاطر المتزايدة حول هرمز وباب المندب بالفعل على سوق النقل البحري وأسعار استئجار ناقلات النفط، مع تسجيل ارتفاعات حادة في بعض المسارات.

لكن هنا ينبغي التمييز بين السيطرة العسكرية الكاملة وبين القدرة الاستراتيجية على التأثير.

فالأولى تعني امتلاك سيطرة ميدانية مستمرة على المجال، أما الثانية فقد تتحقق من خلال القدرة على التهديد أو التعطيل المؤقت أو رفع تكلفة المرور أو فرض إعادة الحسابات.

ومن الخطأ، في المقابل، اختزال بنية محور المقاومة الإسلامية في مجرد تقاطع ظرفي للمصالح أو تنسيق محدود بين قوى متفرقة؛ فوفق الرؤية التي يقوم عليها هذا المحور، نحن أمام منظومة مقاومة مترابطة، تتحرك ضمن رؤية استراتيجية واحدة وقيادة عليا موحدة في إدارة المواجهة بمستوياتها السياسية والعسكرية والأمنية والإعلامية، وإن اختلفت ساحات الاشتباك وتباينت طبيعة الأدوار والمهام من جبهة إلى أخرى.

غير أن وحدة القيادة لا تعني إلغاء السيادة، ولا تعني مصادرة القرار الوطني لأي دولة أو حركة من مكونات المحور.
فلكل ساحة خصوصيتها، ولكل دولة حساباتها وظروفها وأولوياتها، وتمتلك حقها الكامل في تقدير موقفها وإدارة شؤونها وفق مصالحها الوطنية؛ وهو ما ينطبق بصورة خاصة على اليمن، الذي يمتلك قراره الوطني المستقل، وخصوصيته الجغرافية والسياسية والعسكرية، وقدرته على تحديد أدواته وتوقيتاته ومسارات تحركه ضمن الإطار العام للمواجهة.

وعليه، فإن الأدق ليس النظر إلى جبهات المحور باعتبارها جزرًا منفصلة تتحرك بلا رابط، ولا باعتبارها تشكيلًا عسكريًا مركزيًا يلغي خصوصية كل ساحة؛ وإنما باعتبارها جبهات متعددة ضمن منظومة استراتيجية واحدة، تتكامل أدوارها من دون أن تتطابق بالضرورة في الوسائل والتوقيتات والتفاصيل العملياتية.

وهذا يعني أن ما يجري في هرمز لا يمكن عزله بالضرورة عن الحسابات الأوسع للمواجهة الإقليمية، كما أن ما يجري في باب المندب والساحل الغربي لليمن لا ينبغي اختزاله في كونه حدثًا يمنيًا منفصلًا عن المشهد الأكبر.
فهناك قيادة استراتيجية تجمع مسارات المواجهة، وفي الوقت نفسه هناك خصوصيات وطنية وميدانية تمنح كل جبهة مساحة واسعة في تقدير أدواتها وتوقيتاتها.

ومن هنا، فإن قوة هذا النموذج لا تكمن في أن جميع الجبهات تتحرك بالطريقة نفسها، بل في قدرتها على توزيع الضغط وتكامل الأدوار وتعدد ساحات الاشتباك مع بقاء البوصلة الاستراتيجية واحدة.

وهنا تحديدًا تكمن أهمية المشهد الحالي؛ إذ إن اتساع الجغرافيا لا يعني بالضرورة تشتت المعركة، بل قد يعني ــ في بعض الحالات ــ أن وحدة الرؤية والقيادة استطاعت تحويل تعدد الجبهات من عامل تشتت إلى عامل قوة وردع وضغط استراتيجي متزامن.

خامسًا: هل نحن أمام معادلة «المضيقين»؟

من السهل سياسيًا وإعلاميًا أن يقال إن هناك «سيطرة كاملة» على هرمز وباب المندب، لكن هذا التعبير أوسع من الأدلة المتاحة.

والأدق من الناحية العلمية والاستراتيجية هو الحديث عن قدرة متزامنة على التأثير والضغط في هرمز وباب المندب.

فالمعطيات الحالية تقول إن حركة الملاحة في هرمز تعرضت لانخفاض بالغ، بينما استمرت حركة السفن عبر باب المندب ولم تتوقف بصورة كاملة.
وهذا يعني أن المشهد لا يمثل إغلاقًا متماثلًا للمضيقين، وإنما نشوء بيئة بحرية مختلفة تتفاوت فيها درجات المخاطر والتأثير.

لكن القيمة الاستراتيجية تكمن في شيء آخر:

أن الممرين باتا يدخلان في الحسابات نفسها المتعلقة بأمن الطاقة وحركة التجارة.

فإذا كان هرمز يمثل نقطة الضغط على خروج الطاقة من الخليج، فإن باب المندب يمثل نقطة الضغط على أحد أهم المسارات التي تربط الطاقة والتجارة الآسيوية بالبحر الأحمر وقناة السويس.

وبالتالي فإن الجمع بين الضغط على الممرين، حتى دون إغلاقهما الكامل، يمكن أن يخلق ما يشبه «معادلة المضيقين».

والمعادلة هنا لا تعني أن طرفًا واحدًا يمتلك المضيقين، وإنما أن جغرافيتين بحريتين منفصلتين بدأتا تعملان داخل منظومة استراتيجية واحدة.

سادسًا: ثلاثة سيناريوهات للمواجهة المقبلة

السيناريو الأول: الاحتواء والعودة إلى التفاوض:
قد تدفع الضغوط الاقتصادية والعسكرية المتزايدة جميع الأطراف إلى البحث عن صيغة لاحتواء التصعيد.

شرط تحقق السيناريو:
أن تدرك الأطراف أن تكلفة استمرار تعطيل الملاحة والطاقة أصبحت أعلى من المكاسب التي يمكن تحقيقها ميدانيًا.

المؤشر المبكر عليه:
عودة الاتصالات الإقليمية، والتوصل إلى ترتيبات ملاحية مؤقتة، وتراجع الهجمات على البنية التحتية وسفن التجارة.

وقد ظهرت بالفعل محاولات دبلوماسية مرتبطة بأمن الملاحة في هرمز، وإن كانت جهود الاجتماع الإقليمي في عُمان قد تأجلت في 13 سبتمبر بسبب خلافات حول التوافق.

السيناريو الثاني: اتساع الحرب من الجبهات إلى «حرب الشبكات»
وهذا السيناريو أخطر.
فالحرب قد لا تتوسع فقط جغرافيًا، وإنما قد تتحول إلى صراع على شبكات الطاقة والموانئ وخطوط الأنابيب والممرات البحرية وسلاسل الإمداد.

شرط تحقق السيناريو:
استمرار الضربات على البنية التحتية وتوسعها من الأهداف العسكرية إلى العقد الاقتصادية والاستراتيجية.

المؤشر المبكر عليه:
تكرار استهداف خطوط الأنابيب والموانئ والسفن التجارية ومنشآت التصدير أو طرق الإمداد في أكثر من دولة.

وفي هذه الحالة لن تكون الحرب مجرد مواجهة بين جيوش، بل بين شبكات متداخلة، بحيث يؤدي تعطيل عقدة واحدة إلى اضطراب مجموعة كاملة من المسارات.

السيناريو الثالث: إعادة تشكيل معادلة الردع الإقليمية:
وهذا السيناريو قد يكون الأكثر أهمية على المدى البعيد.

فإذا أثبتت التطورات أن قوة إقليمية أو غير حكومية تستطيع الوصول إلى منشآت حيوية بعيدة، أو التأثير في ممرات بحرية دولية، أو إجبار خصم أكبر منها على توزيع قواته وموارده على أكثر من جبهة، فإن مفهوم الردع نفسه يتغير.

شرط تحقق السيناريو:
استمرار القدرة على الوصول إلى أهداف استراتيجية مع المحافظة على قدرة الصمود أمام الرد المقابل.

المؤشر المبكر عليه:
تحول التهديدات البحرية والطاقة من أحداث استثنائية إلى عنصر ثابت في الحسابات العسكرية والسياسية للدول الكبرى.

عندها لن يصبح السؤال:
«من يملك السلاح الأقوى؟»

بل:
«من يستطيع جعل استخدام القوة المقابلة أكثر تكلفة؟»

سابعًا: ماذا يعني ذلك للسعودية والولايات المتحدة؟

بالنسبة إلى السعودية، فإن المعادلة أصبحت أكثر تعقيدًا من مجرد حماية الحدود الجنوبية.

فالمسألة باتت تشمل حماية المنشآت النفطية، وتأمين خطوط الأنابيب، وحماية موانئ التصدير، وضمان استمرار طرق التجارة والطاقة، والحفاظ على تعدد البدائل أمام أي اضطراب في هرمز أو البحر الأحمر.

وإذا كانت الرياض قد امتلكت تاريخيًا ميزة استراتيجية تتمثل في قدرتها على تحويل جزء من صادراتها بعيدًا عن هرمز عبر خط شرق ـ غرب، فإن الضغط على هذا الخط يرفع قيمة المخاطر المرتبطة ببقية الشبكة.

أما الولايات المتحدة فتواجه معادلة أكثر حساسية.

فالتدخل المباشر في اليمن يمكن أن يفتح جبهة إضافية في وقت تواجه فيه واشنطن أصلًا أزمة واسعة مع إيران، بينما يؤدي عدم التدخل إلى طرح سؤال آخر حول حدود الالتزام الأمريكي بأمن الحلفاء وحماية طرق الطاقة.

ولهذا فإن واشنطن لا تتعامل فقط مع سؤال:
«كيف نرد؟»

بل مع سؤال أكثر تعقيدًا:
«أين يجب أن نرد، وبأي حجم، وعلى أي جبهة، وبأي تكلفة؟»

فكلما اتسعت الجبهات، أصبحت القوة الأمريكية أكثر انتشارًا، وكلما أصبحت أكثر انتشارًا، ارتفعت تكلفة حماية كل جبهة منفردة.

وهذه تحديدًا إحدى نتائج الحرب متعددة المسارات.

ثامنًا: ماذا عن اليمن نفسه؟

من الخطأ قراءة الساحل الغربي لليمن باعتباره مجرد ورقة تفاوضية في صراع إقليمي.

فاليمن يمتلك قيمة جغرافية مستقلة؛ فموقعه على البحر الأحمر وخليج عدن وبالقرب من باب المندب يمنحه أهمية تتجاوز حدود الصراع الداخلي.

وإذا تحولت التطورات الميدانية في الساحل الغربي إلى نفوذ مستدام على مناطق استراتيجية، فإن السؤال الحقيقي لن يكون فقط: من تقدم عسكريًا؟

بل:
كيف سيتحول هذا التقدم إلى نفوذ سياسي واقتصادي وأمني مستدام؟

فالسيطرة العسكرية على موقع استراتيجي قد تفتح الباب، لكنها لا تحدد وحدها ما الذي سيحدث خلف الباب.

والقيمة الحقيقية لأي مكسب ميداني تظهر عندما يتحول إلى استقرار، وإدارة مؤسسية، وأمن ملاحي، وحماية للاقتصاد، وقدرة على إدارة العلاقة مع الإقليم والمجتمع الدولي.

فالقوة العسكرية قد تفتح الباب، لكن السياسة هي التي تحدد إلى أين يؤدي الباب.

وأين تقف المعركة الآن؟

حتى هذه اللحظة، لا يمكن إصدار حكم نهائي بأن معادلة إقليمية جديدة قد اكتملت؛ لكن المؤشرات المتراكمة تجعل من الصعب أيضًا التعامل مع الأحداث باعتبارها حوادث منفصلة.

وهناك خمسة مؤشرات تستحق المتابعة:

أولًا: أن باب المندب أصبح حاضرًا بصورة أكبر في الحسابات الأمريكية والخليجية والإيرانية، خصوصًا مع التطورات حول ميون وذُباب والساحل الغربي.

ثانيًا: أن الاضطراب في هرمز لم يعد مسألة إيرانية ـ أمريكية محلية، بل أصبح قضية مرتبطة مباشرة بأمن الطاقة والأسواق العالمية.

ثالثًا: أن استهداف خط شرق ـ غرب السعودي أظهر هشاشة أحد أهم البدائل المفترضة لمضيق هرمز، وهو ما يوضح أن امتلاك البديل لا يكفي إذا أصبح البديل نفسه عرضة للضغط.

رابعًا: أن انتقال الضغط من الجبهات العسكرية التقليدية إلى البنية التحتية والطاقة والملاحة يرفع كلفة الحرب بصورة مضاعفة.

خامسًا: أن هرمز وباب المندب لم يعودا مجرد موقعين جغرافيين منفصلين في الخرائط، بل أصبحا جزءًا من منظومة واحدة في حسابات الطاقة والتجارة والأمن الإقليمي.

#أما_بعد …

فالشرق الأوسط اليوم يبدو أكثر ترابطًا مما توحي به خرائط الصراع التقليدية.

ما يحدث في الخليج يمكن أن ينعكس على البحر الأحمر، وما يحدث في البحر الأحمر يمكن أن يصل أثره إلى أسواق الطاقة في آسيا وأوروبا، وما يحدث في منشأة نفطية واحدة قد يغيّر حسابات النقل والتأمين والأسعار في أسواق بعيدة آلاف الكيلومترات.

ولهذا فإن قراءة المشهد بعين عسكرية فقط لن تكون كافية.

فالمضائق البحرية ليست مجرد ممرات مائية، وخطوط الأنابيب ليست مجرد منشآت معدنية، والموانئ ليست مجرد أرصفة؛ إنها عُقد استراتيجية داخل شبكة عالمية مترابطة.

والسؤال الأهم في المرحلة المقبلة ربما لا يكون:
«من يستطيع إغلاق هرمز؟ ومن يستطيع إغلاق باب المندب؟»

بل:
«من يستطيع التأثير في حركة المرور، ورفع كلفة العبور، وإجبار الآخرين على تغيير حساباتهم؟»

وهنا تحديدًا تبدأ معادلة الردع الجديدة.

فالجغرافيا تتحول إلى استراتيجية، والاستراتيجية تتحول إلى ضغط اقتصادي، والضغط الاقتصادي يتحول إلى قرار سياسي.

ومن ينجح في إدارة هذه السلسلة بكفاءة قد يحقق أثرًا يتجاوز بكثير حجم قوته العسكرية المباشرة.

أما الرهان الحقيقي، فلن يكون في القدرة على إحداث اضطراب مؤقت فحسب، وإنما في القدرة على تحويل المكسب العسكري إلى نفوذ سياسي مستدام، وتحويل الموقع الجغرافي إلى قيمة استراتيجية، وتحويل الردع إلى معادلة قابلة للحياة.

وفي النهاية، قد لا يكون الشرق الأوسط أمام «حرب مضائق» بالمعنى التقليدي، لكنه يبدو أقرب من أي وقت مضى إلى مرحلة أصبحت فيها الممرات البحرية، والطاقة، والبدائل اللوجستية، جزءًا من قلب المعركة نفسها.

#رفعت_الجلسة …

#البحر_المحضار …