الأحد - 13 سبتمبر 2026

هرمز…الوريدُ المفتوحُ في جسدِ العالم.. حين يتحوّل شريانُ الحياةِ إلى بوابةِ نارٍ مفتوحةٍ على كل الاحتمالات..!

منذ ساعة واحدة
الأحد - 13 سبتمبر 2026

علاء الطائي ||

 

 

 

لم يعد مضيق هرمز مجرد ممرٍّ مائيٍّ يعبر عبره 20% من نفط العالم…بل صار وريداً مفتوحاً في جسدِ العالم ينزف اقتصاداً وطاقةً وتوتراً..إنه المكان الذي تلتقي فيه الجغرافيا- بالجيوسياسة والنفط- بالعقيدة والمصالح- بالكبرياء وحيث تتحول السفن العابرة إلى شهودٍ صامتةٍ على مصيرٍ غامضٍ لا يعرف أحدٌ متى ينفجر.

في هذا المضيق الذي يربط الخليج الفارسي بخليج عمان..يتركز أكثر من 40% من النفط المنقول بحراً وتعتمد عليه اقتصادات العراق والكويت وقطر والبحرين كلياً لتصدير نفطها..لكنه اليوم ليس ممراً للطاقة فقط بل مسرحٌ عالميٌّ مكشوفٌ تتقاذفه سفنٌ متوقفةٌ في عرض البحر..وتصعيدٌ إعلاميٌّ لا يهدأ وضرباتٌ نوعيةٌ فرديةٌ استفزازيةٌ تشي بأن الجميع يستعدون لشيءٍ ما دون أن يجرؤ أحدٌ على البوح به.

إنه عنق الزجاجة الذي يختنق به العالم ببطء..لا بضربةٍ واحدة بل بسلسلةٍ من الحوادث المحسوبة والرسائل المبهمة والاستفزازات المتبادلة التي ترفع منسوب الخطر دون أن تشعل الحرب..وكأن الجميع يشاركون في بروفةٍ طويلةٍ لمسرحيةٍ لا يريد أحدٌ حضورَ عرضِها الافتتاحي.
أولاً– من “إدارة الأزمات” إلى “إدارة العجز”.
لقد اعتدنا على منطق “إدارة الأزمات” الذي مارسته القوى الكبرى بعد الحرب الباردة..كان الغرب يفتح أزمةً هنا ليغلق أخرى هناك..ويضغط على خصمٍ ليبتز حليفاً.. أما اليوم فالمنطقة لا تشهد أزمةً واحدة يمكن احتواؤها بل منظومة أزمات متشابكة “غزة- لبنان- اليمن- العراق- سوريا- إيران- الملاحة في البحر الأحمر- والآن مضيق هرمز” وكل أزمةٍ منها لا تُحل بمعزلٍ عن الأخرى.
المشكلة أن العالم دخل مرحلة عجز بنيوي عن إنتاج الحلول لأن كل حلٍّ يتطلب تنازلاتٍ لم يعد أي طرفٍ مستعداً لتقديمها.. الولايات المتحدة تريد استعادة الهيمنة بلا ثمن وإيران تريد فرض معادلة الردع بلا حرب شاملة والكيان الصهيوني يريد تقويض إيران من دون أن يحترق داخلياً ودول الخليج تريد الحياد دون أن تفقد أمنها والصين تريد النفط بلا حروب وروسيا تريد حرباً تستنزف أمريكا دون أن تمسها.
هكذا..تحوّل الجميع إلى لاعبين في ملعبٍ واحد لا أحد يستطيع ترك الملعب ولا أحد يجرؤ على تسديد الكرة نحو المرمى.
ثانياً– “اقتلوني ومالكاً”… معادلة الاستنزاف الجديدة.
هنا تبرز المعادلة التي أشرنا إليها.. “اقتلوني ومالكاً”.
هي ليست مجرد عبارة شعبية بل أصبحت فلسفة حكمٍ غير معلنة في سلوك القوى المتصارعة..فكل طرفٍ يعرف أن خصمه لا يستطيع أن يُجهز عليه دون أن يُجهز على نفسه.
• إيران تدرك أن إغلاق هرمز سيرفع الأسعار ويضرب الاقتصاد الصيني والهندي..لكنها ستخسر هي أيضاً شريانها الاقتصادي…إنها تمسك بخناق العالم لكن الخناق مربوطٌ بحبلٍ يلتف حول عنقها هي أيضاً.
• أمريكا تريد خنق إيران..لكنها تعرف أن أي ضربةٍ عسكرية قد تشعل المنطقة كلها وتغرق “إسرائيل” في حربٍ وجودية وتُسقط الاقتصاد العالمي بما فيه الاقتصاد الأمريكي نفسه.
• الكيان الصهيوني يريد توريط أمريكا في ضرب إيران لكنه يدرك أن حرباً إقليمية قد تعني نهايته الاستراتيجية.
• دول الخليج ترفض أن تتحول أراضيها إلى ساحة حرب لكنها تدرك أن أي تصعيدٍ سيجعلها أول الضحايا.
إنها حالة توازن رعبٍ معكوس.. لم يعد الردع يمنع الحرب بل صار يمنع الحل..فالجميع يلوّح بالنار لكن أحداً لا يجرؤ على إشعالها والجميع يريد أن يحرق الآخر بحريقٍ لا يصيبه هو..وبما أن هذا مستحيل فقد استقر الجميع على استنزاف الخصم بلا نهاية.
ثالثاً– سيناريوهات الإغلاق… تداعياتٌ تتجاوز النفط.
إذا قررت إيران إغلاق مضيق هرمز فعلياً – أو حتى نفذت عملياتٍ نوعية تعيق حركة الملاحة فالعالم سيواجه عواقب اقتصادية مدمرة، أبرزها.
١. انفجار أسعار النفط
يمكن أن ترتفع الأسعار إلى مستوياتٍ قياسية تتجاوز 150 دولاراً للبرميل خلال أيام قليلة وهو ما سيضرب الاقتصاد العالمي في مقتل.
٢. انهيار سلاسل التوريد
دول الخليج التي تعتمد كلياً على المضيق ستجد نفسها محاصرة بدون منافذ بديلة لتصدير نفطها. العراق والكويت وقطر والبحرين ستكون الأكثر تضرراً.
. أزمة اقتصادية عالمية
ستؤدي الزيادة الهائلة في أسعار الطاقة إلى تضخمٍ عالميٍّ يضرب الاقتصادات المتقدمة والناشئة على حد سواء ويهدد بانهيار أنظمةٍ سياسيةٍ بأكملها.
٣. تصعيد عسكري واسع
إغلاق المضيق سيجبر الولايات المتحدة وحلفاءها على التدخل العسكري المباشر لإعادة فتحه وهو ما قد يؤدي إلى حربٍ إقليمية شاملة لا يُعرف مداها ولا نهايتها.
رابعاً– خيارات اللاعبين الكبار.
.الولايات المتحدة-
• تدخل بحري سريع.
نشر قوات بحرية إضافية لضمان حرية الملاحة وإعادة فتح المضيق بالقوة.
• ضربات عسكرية استباقية. استهداف منصات الصواريخ والسواحل الإيرانية التي تهدد الملاحة.
• التصعيد الاقتصادي.
فرض عقوبات خانقة غير مسبوقة على إيران.
.إيران.
• إغلاق كامل أو جزئي.
تنفيذ عمليات تكتيكية لتعطيل الملاحة دون إعلانٍ رسمي عن الإغلاق.
• استهداف السفن.
الهجمات على ناقلات النفط كما حصل في أزمات سابقة.
• اللجوء إلى الوكلاء.
تحريك حلفائها في اليمن والعراق ولبنان لفتح جبهات متزامنة.
.الصين.
• تعتمد بشكل كبير على نفط الخليج و ستضغط باتجاه التهدئة.
• لكنها قد تتخذ خطوات لتعزيز علاقتها بإيران كورقة ضغط على الغرب.
. روسيا.
• قد تستغل الموقف لدفع أوروبا لمزيدٍ من الارتهان لمصادر الطاقة الروسية.
• وقد تدعم إيران سياسياً وعسكرياً بشكل غير مباشر.
خامساً– فخاخ الجغرافيا… دول الخليج تحت سقفٍ لا يحميها.
في قلب هذه المعادلات..تقف دول الخليج في وضعٍ لا تُحسد عليه . مالكة النفط- وأسيرة الجغرافيا.
• السعودية والإمارات بنتا اقتصاداتها على تصدير النفط عبر هرمز…ولهما خطوط أنابيب بديلة لكنها لا تغطي حاجاتهم التصديرية الكاملة..إنهما في قلب العاصفة بلا مظلة.
• قطر والكويت تعتمدان كلياً على هرمز..أي اضطرابٍ يعني توقف صادراتهما وتوقف إيراداتهما.
• العراق يملك منافذ تركية وسورية لكنها غير مؤهلة لتعويض هرمز إضافة إلى أن استقراره الداخلي مرتبطٌ بالتوازن بين طهران وواشنطن.
هذه الدول لا تريد الحرب..لكنها لا تستطيع إيقافها… إنها تراهن على العقل لكن العقلاء في هذا المشهد أصبحوا أقلية.
سادساً– المعادلات الجديدة… من يدفع الثمن؟
في العالم القديم كانت الحروب تُحسم بالجيوش..أما في العالم الجديد فالحروب تُحسم بقدرة الأطراف على تحويل آلامها إلى أوراق ضغط.
• إيران لم تعد تخوض حربها بجيوشها بل بأذرعها وأيديولوجيتها وحضورها في الممرات المائية..إنها تحوّل الجغرافيا إلى سلاح وتجعل من “حقول الألغام البحرية” خطاباً سياسياً.
• أمريكا لم تعد قادرة على غزوٍ جديد لأنها جُرحت في أفغانستان والعراق…إنها تريد أن تحكم العالم بطائراتها بلا جنودٍ على الأرض وهذا هو مأزقها.
• الصين تلعب اللعبة الأذكى. تشتري من الجميع وتضغط على الجميع دون أن تطلق رصاصةً واحدة..لكنها تدرك أن أي إغلاقٍ لهرمز سيكشف هشاشة معجزتها الاقتصادية.
• روسيا تبتسم في الظل .
كلما ارتفع سعر النفط ازدادت قوة.. إنها الرابح الوحيد من الفوضى لكنها تعرف أن حرباً كبرى قد تخرج عن السيطرة.
سابعاً– سيناريوهات ما بعد “اللاعودة”.
إذا كانت الأطراف قد وصلت فعلاً إلى نقطة اللاعودة فما الذي سيحدث؟
السيناريو الأول– الاستنزاف الطويل.
حربٌ منخفضة الشدة تتصاعد أحياناً وتهدأ أحياناً دون انتصارٍ حاسم لأي طرف ودون انهيارٍ كامل. هذا هو السيناريو الأكثر ترجيحاً لأنه يُرضي جميع الأطراف..كلٌّ يظن أنه يصمد أكثر من الآخر.
السيناريو الثاني– الانفجار الإقليمي.
ضربةٌ أمريكية أو إسرائيلية لإيران ترد عليها طهران بإغلاق هرمز فتنهار الأسواق ويُضرب الاقتصاد العالمي وتتحول المنطقة إلى ساحة حربٍ شاملة.
السيناريو الثالث– التفاوض تحت النار.
حين يكتشف الجميع أن لا أحد يستطيع أن ينتصر يجلسون على طاولةٍ لا يريدون الجلوس عليها لكنهم مضطرون…هذا السيناريو ممكنٌ فقط إذا بلغ الألم حداً لا يحتمله الجميع.
الخلاصة–هرمز…مرآة العالم المأزوم…
في النهاية مضيق هرمز ليس مجرد ممرٍ للنفط…بل مرآةٌ تعكس أزمة نظامٍ عالميٍّ كامل..إنه المكان الذي تلتقي فيه تناقضات الإمبراطوريات- وأنانية الدول- وعجز الدبلوماسية- وقوة الجغرافيا..نحن لا نشهد “أزمة مضيق” بل نشهد مخاض عالمٍ جديدٍ لم تتضح ملامحه بعد..والذين يمسكون اليوم بمفاتيح اللعبة يدركون أن أي خطوةٍ خاطئة قد تعني أنهم سيكونون أول من يدفع الثمن.
لذلك يبقى السؤال معلقاً ثقيلاً كالرصاص..إلى متى يصمد الجميع على حافة الهاوية؟
وهل سيكتشف العالم أن إنقاذ هرمز من الانفجار لا يكون بالأساطيل بل بجرأة الاعتراف بأنه وصل إلى نقطة “إقتلوني ومالكاً” التي لا مفر منها إلا بإعادة بناء قواعد اللعبة لا بإحراق الملعب؟
إنه الوريد المفتوح… فهل من يدٍ تمتد لإنقاذ جسد العالم؟