الأحد - 13 سبتمبر 2026

حين كانت اللوحة ترسمني.. حكاية أول لقاء بيني وبين الرسم..!

منذ 45 دقيقة
الأحد - 13 سبتمبر 2026

الكاتب حسن درباش العامري ||
بغداد ٢٠٢٦/٩/١٣

 

 

 

لا أدري متى وُلد في داخلي ذلك الحب الكبير لفن الرسم، ولا من أين جاءتني تلك الرغبة الغريبة في الإمساك بالريشة وملاحقة الألوان، لكنني أتذكر جيداً أنني، منذ طفولتي الأولى، كنت أحب هذا الفن النبيل حباً لا أعرف له تفسيراً.

لم يكن أحد قد علّمني كيف أمسك الريشة، ولم أكن أعرف شيئاً عن قواعد الرسم أو أسرار الألوان الزيتية، ومع ذلك كنت أشعر أن بين يدي وبين الألوان معرفة قديمة، كأنني لم أتعلمها، وإنما تذكرتها.
كنت أحب أن أمزج لوناً بلون، وأراقب بدهشة كيف يولد بينهما لون ثالث لم يكن موجوداً قبل لحظات. وكان ذلك بالنسبة لطفل صغير أشبه بالسحر.
حتى أنني كنت أجد متعة في أمر بسيط جداً؛ أكتب كلمة «ملح»، ثم أكمل الحلقة حول حروفها بطريقة عفوية، فإذا بها تتحول أمام عيني إلى شكل رجل. لم أكن أعرف يومها أنني كنت أرسم، ولم أكن أعرف أن الرسم يمكن أن يكون طريقة أخرى لرؤية الأشياء.
ثم جاء ذلك اليوم الذي لا يزال عالقاً في ذاكرتي، وكان ذلك وأنا في الصف الرابع الابتدائي.
دخل مرشد الصف إلى غرفة الدرس وقال لنا:
«الحصة الآن هي الرسم.»
لا أعرف لماذا شعرت بفرح كبير.
كنت أحب الدراسة، ولم أكن من الذين يتهربون من الدروس أو يبحثون عن فرصة للخروج من الصف، بل على العكس، كنت حريصاً على دراستي. لكن كلمة «الرسم» فعلت بي شيئاً مختلفاً. شعرت وكأن باباً فتح أمامي فجأة، باباً لا أعرف إلى أين يقود، لكنني كنت سعيداً لأنني سأدخله.
قال المعلم:
«ضعوا دفاتر الرسم أمامكم، وكل واحد منكم يرسم ما يحب.»
ولم يحدثنا عن الرسم، ولم يشرح لنا ماذا نرسم أو كيف نرسم، وربما كان هو نفسه لا يجيد الرسم كثيراً. لكنه، من حيث لا يدري، أعطاني يومها أجمل درس يمكن أن يُعطى لطفل يحب الفن:
ارسم ما تحب.
وضعت دفتري أمامي وأمسكت القلم.
وبدأت أرسم.
شيئاً فشيئاً، انكفأت على دفتري، ولم أعد أشعر بغرفة الصف.
غادرت الواقع.
لا أعرف كيف حدث ذلك، لكنني وجدت نفسي أحلق بعيداً فوق السحاب، وأتجول في أماكن لم أزرها، وأرى عالماً لم يكن موجوداً أمامي إلا في خيالي.
رأيت الشعراء ينشدون في سوق عكاظ، وسمعت في مخيلتي أصواتهم، ثم ذهبت إلى المربد، وأبحرت مع سندباد منذ أن بدأ رحلته من بغداد.
دخلت بساتين النخيل، ومشيت على ضفاف دجلة والفرات، وتجولت بين بيوت بغداد القديمة، رأيت شناشيلها، ودرابينها الضيقة، وأبوابها، وأسواقها، وسحرها، ورأيت طيبة أهلها التي يبدو أنها لم تكن مجرد صورة رسمتها في ذلك اليوم، بل شيئاً استقر في داخلي وظل يرافقني حتى اليوم.
كنت أرسم كل شيء.
أو ربما كنت أحاول أن أجمع كل ما أحب في لوحة واحدة.
جمعت الشعر والتاريخ وبغداد والنخيل والنهر والناس والخيال، وحاولت أن أضع كل تلك المعاني داخل ورقة صغيرة أمامي.
ولم أشعر بالوقت.
لم أشعر بزملائي.
لم أشعر بالمعلم.
كنت في مكان آخر تماماً.
حتى جاءني صوت من بعيد.
كان المعلم واقفاً بجانبي.
لم أشعر بوقوفه، ولم أعرف منذ متى كان يتأمل ما أرسم.
قال لي بدهشة:
«ماذا ترسم؟ وكيف ترسم بهذه الصورة؟»
رفعت رأسي إليه، ولم أكن أعرف ماذا أقول.
والحقيقة أنني لم أكن أعرف أنا أيضاً كيف رسمتها.
كنت فقط أرسم.
سحب المعلم دفتر الرسم من بين يدي، وبدأ يعرض رسمتي على زملائي، ثم أخذ يمدحني أمامهم، وقال كلمات بقيت في ذاكرتي حتى بعد مرور كل تلك السنين:
«يبدو أن فناناً يولد في صفنا وفي مدرستنا.»
عندها فقط عدت إلى غرفة الصف.
عدت إلى الواقع الذي كنت أتمنى لو تأخر قليلاً.
نظرت في عيون زملائي، ثم في عيون معلمي، فرأيت شيئاً لم أكن معتاداً عليه؛ نظرات إعجاب ودهشة.
لكن لم تكن كل النظرات متشابهة.
سمعت أحد الطلاب يقول:
«ربما رسمها له والده في البيت.»
وكانت تلك أول مرة أشعر فيها أن الموهبة يمكن أن تجعل الآخرين يشكون بك، لا لأنك أخطأت، وإنما لأن ما فعلته كان أكبر من توقعاتهم.
لكن زميلي الذي كان يشاركني المقعد الأمامي، في أول صف من المقاعد التي كانت مرصوفة بثلاثة خطوط، تدخل للدفاع عني وقال:
«لقد بدأ يرسم ونحن ننظر إليه منذ البداية.»
كانت شهادة بسيطة من طفل، لكنها كانت بالنسبة لي شهادة عظيمة.
لم يكن أمام المعلم ما يفعله سوى أن يثبت الحقيقة.
فأرسل أحد الطلبة إلى مدير المدرسة.
وللحظة لم أفهم لماذا أُرسل إلى المدير.
هل ارتكبت ذنباً؟
هل رسمت شيئاً ممنوعاً؟
هل كان ما فعلته مخالفاً؟
كنت صغيراً، لكن عبارات الثناء التي قالها لي المعلم كانت تطمئنني إلى أنني لم أرتكب أي خطأ.
وصل مدير المدرسة مسرعاً، وكان يبدو أنه يعتقد أن هناك أمراً مستعصياً جاء ليحله، أو مشاجرة بين الطلاب تستدعي حضوره.
لكن المعلم لم يترك له مجالاً للتفكير طويلاً.
سحب دفتر الرسم من بين يدي، وقال:
«انظر أستاذ مالك… انظر إلى هذا الرسم.»
أخذ المدير الدفتر، وتأمل اللوحة طويلاً.
رأيت في عينيه الرضا والدهشة، ثم سأل:
«هل رسمها هنا في الصف؟»
فأجابه المعلم:
«نعم، أمامنا.»
بدأ الأستاذ مالك يتحدث معي، وأثنى على ما رسمت، وقال لي كلاماً كثيراً لا أستطيع أن أتذكره الآن بالتفصيل، لكنني أتذكر إحساسي جيداً.
كنت أشعر أن شيئاً ما حدث.
شيئاً لم أفهمه تماماً.
في اليوم التالي، وأثناء التعداد الصباحي، سمعت مدير المدرسة ينادي اسمي.
تقدم نحوي معلمي، وأخذني من بين الطلاب إلى حيث يقف الأستاذ مالك.
بدأ المدير يتحدث عن موهبتي في الرسم، وحثني على أن أستمر وأهتم بتطويرها، ثم قال لي كلاماً ظل عالقاً في مكان ما من ذاكرتي:
«ستكون رساماً عالمياً في يوم من الأيام.»
كنت طفلاً.
ولم أكن أعرف ماذا يعني أن تكون رساماً عالمياً.
لكنني عرفت شيئاً واحداً؛ أن هناك شخصاً بالغاً رأى في داخلي شيئاً لم أكن أراه أنا في نفسي.
وربما كانت تلك هي اللحظة التي بدأت فيها أصدق أن ما أفعله ليس مجرد لعب طفل.
مرت السنوات.
وكبرت.
لكن الرسم لم يغادرني.
وفي سنوات المرحلة المتوسطة، قررت أن أذهب إلى ما كان يسمى آنذاك دار الفن، وكانت في نهاية منطقة البياع.
دخلت إلى الإدارة، وكانت تديرها يومها امرأة، فأخبرتها برغبتي في الانتماء إلى الدار.
رحبت بي، وأخذتني إلى إحدى القاعات.
كان هناك عدد من الشباب والشابات، وكل واحد منهم يقف أمام لوحة يرسم فيها.
كان المشهد بالنسبة لي أشبه بدخول مكان كنت أعرفه منذ زمن.
اقترب مني الأستاذ، وطلب مني أن أقف أمام إحدى اللوحات، ثم قال:
«ارسم.»
كان أمامي تمثال فينوس، وقد سُلّط عليه الضوء من جهة واحدة، بينما بقي الجانب الآخر غارقاً في العتمة.
لم أشعر بالخوف.
على العكس، كنت أستمتع بمثل هذه الأشياء.
كنت أحب رسم الظلال.
وأحب طيات القماش.
كنت أشعر أن الظل ليس مجرد مساحة مظلمة في اللوحة، وإنما هو الذي يمنح الضوء معناه، وهو الذي يجعل الشكل يبدو حياً.
وطيات القماش كانت بالنسبة لي عالماً آخر؛ فيها حركة وسكون وعمق، ومن يستطيع أن يضبطها يستطيع أن يمنح اللوحة حياة مختلفة.
بدأت أرسم.
وكعادتي، انقطعت عن العالم.
لم أعد أشعر بمن حولي.
لم أعد أسمع الأصوات.
كان يحدث معي الشيء نفسه الذي حدث في الصف الرابع.
أدخل داخل اللوحة.
نعم، هذه هي العبارة التي أستطيع بها أن أصف علاقتي بالرسم.
لم أكن أشعر أنني أقف خارج اللوحة وأرسمها.
كنت أشعر أنني أدخل إليها، وأتجول بين تفاصيلها، وأقترب من الأشياء، وأتأملها من الداخل.
حتى الأشياء الصغيرة كانت تستوقفني.
حبة الأرز.
حبة القمح.
تفصيل صغير في قطعة قماش.
خط صغير في وجه.
ظل خفيف على جسد تمثال.
كنت أحب أن أرسم الأشياء بدقة متناهية، لأنني كنت أؤمن أن جمال اللوحة لا يكمن دائماً في الأشياء الكبيرة، وإنما قد تختبئ روحها كلها في تفصيل صغير لا يراه أحد.
واصلت الرسم.«
ولم أشعر أن الأستاذ يقف خلفي.
حين أرسم أشعر أنني أدخل داخل اللوحة وأتجول فيها، وليس أنا من يرسمها، بل أجدها حقاً هي من ترسمني.»

أكملت اللوحة، ثم ابتعدت عنها.
عندها سمعت صوته ينادي الجميع.
جاء الشباب والشابات يتجمعون حول اللوحة.
كنت أنظر إليهم ولا أفهم تماماً ما الذي يحدث.
ثم بدأت كلمات الإعجاب.
وبدأ بعضهم يطلب مني أن أوقع له على اللوحة كتذكار.
كنت أشعر بالخجل.
لم أكن معتاداً على أن يقف الناس أمام ما رسمت بهذه الطريقة، ولم أكن أعرف ماذا أفعل أمام ذلك الإعجاب.
كنت أظن أنني رسمت لوحة وانتهى الأمر.
لكن الآخرين كانوا يرون فيها شيئاً آخر.
شيئاً لم أكن أراه.
وهنا، كلما عدت بذاكرتي إلى تلك السنوات، أسأل نفسي:
هل أنا الذي اخترت الرسم، أم أن الرسم هو الذي اختارني؟
لا أعرف.
ربما كانت الريشة تعرفني قبل أن أعرفها.
وربما كانت الألوان قد وجدت طريقها إلى يدي قبل أن أعرف لماذا أحبها.
وربما لم يكن ذلك الطفل الذي جلس في الصف الرابع الابتدائي وانحنى فوق دفتره يرسم عالماً كاملاً، يعلم أنه كان يرسم شيئاً أكبر من لوحة.
كان يرسم نفسه.
كان يرسم ذاكرته.
كان يرسم بغداد التي أحبها، والنهر الذي سيبقى في داخله، والنخيل، والأسواق، والشعراء، والناس، والطيبة، والحكايات التي لم يكن يعرف يومها أنها ستعود إليه بعد سنوات طويلة بأشكال أخرى.
فالطفل الذي كان يدخل داخل اللوحة كلما أمسك الريشة، كبر يوماً وأمسك القلم.
ولم تعد يده ترسم الوجوه والظلال وطيات القماش، بل بدأت ترسم بالكلمات.
صار يدخل إلى الحكاية بدلاً من اللوحة، ويتجول داخل الشخصيات، ويعيش تفاصيلها، ويبحث عن المعنى المختبئ خلف الأشياء.
ولعل هذا هو سر العلاقة التي لم تنقطع بيني وبين الرسم حتى بعد أن ابتعدت عن الريشة.
لقد تغيرت الأداة فقط.
أما ذلك الطفل الذي كان يغادر غرفة الصف ويحلق فوق السحاب، فما زال في داخلي حتى اليوم.
وكلما كتبت قصة، أو بدأت رواية، أو حاولت أن أرسم بالكلمات مشهداً من بغداد أو وجهاً لإنسان أو لحظة من الحياة، أشعر أنه يعود إليّ من بعيد، يجلس إلى جانبي، ويفتح دفتراً قديماً، ثم يبتسم لي ويقول:
ارسم ما تحب.
فأمسك القلم…
وأبدأ من جديد.
— الكاتب حسن درباش العامري
بغداد ٢٠٢٦/٩/١٣