الثلاثاء - 01 سبتمبر 2026

دور عالم الدين في صناعة الحياة وبناء الإنسان..!

منذ 53 دقيقة
الثلاثاء - 01 سبتمبر 2026

الدكتور عامر الطائي ||

 

 

إن الأطروحة التي تحاول إبعاد الدين وعلمائه عن مضمار الحياة، وحصر وظيفة الرمز الديني في الزوايا والمساجد أو القضايا الروحية المجردة، إنما تنطلق من مغالطة فكرية جذرية في فهم ماهية الإسلام ونظرته للإنسان. فالإسلام، خلافاً للتصورات السطحية أو المفاهيم الاستشراقية والتفريقية، ليس مجرد مجموعة من الطقوس الميتافيزيقية التي تنفصل عن واقع المجتمع، بل هو منهج حركة وفكر يتناول الوجود الإنساني بأكمله:

روحاً وعقلاً، فرداً ومجتمعاً، مادة ومعنى. ومن هذا المنظر الصائب، فإن عالم الدين الحقيقي ليس راعياً للأفكار الغيبية فحسب، بل هو “مهندس للروح البشرية” ومصمم للمجتمع الفاضل، يدخل في قلب صلب الحياة ليصنعها وفق المعايير الإلهية والفطرية.

إن المغالطة الأولى التي تروج لها بعض التيارات الحداثية تتلخص في ادعاء أن “صناعة الحياة” هي شأن علمي وتكنيكي محض، وتالياً فإن العلم المادي هو الكفيل الوحيد ببنائها. والرد على هذه الشبهة يكمن في التمييز بين “أدوات الحياة” و”معنى الحياة”؛

فالعلم والتكنولوجيا يمنحان الإنسان الأدوات والقدرة والوسائل، لكنهما لا يقدمان له الهدف أو المعنى أو القيمة الأخلاقية التي تحكم تصرفاته. وهنا يبرز دور عالم الدين الواعي، الذي يربط الأرض بالسماء، ليمنح هذه الأدوات المادية التوجيه الأخلاقي والمقاصدي؛ فبدون هذا التوجيه تتحول التقنية إلى أداة للتدمير والاستعباد. عالم الدين يساهم في بناء الإنسان من الداخل من خلال تزكية النفس وتربيتها، وتفعيل طاقة الفطرة، وغرس قيم التضحية والعدل والتكليف الإلهي. وإذا صلح الإنسان من الداخل، أصلح بالضرورة مجتمعه وبنى حيوية إيجابية تسعى للعمارة والتقدم لا للخرب والدمار.

أما المغالطة الثانية، فهي التي تصوّر العلمانية أو العزلة كشرطين أساسيين لتحقيق النهضة الاجتماعية، داعية عالم الدين إلى التخلي عن الشأن العام. وهذه النظرة تغفل عن حقيقة أن بناء المجتمعات يتطلب ركيزتين: الركيزة التنظيمية والركيزة الإيمانية والأخلاقية. وإن أكبر أزمة تخنق الإنسان المعاصر اليوم ليست قلة الإمكانيات، بل هي أزمة المعنى، والضياع الروحي، والتفكك الأسري والاخلاقي. يتدخل عالم الدين هنا ليمارس دوره التاريخي كـ “مصلح اجتماعي” و”حارس للوعي”؛

فهو يفكك الثقافات الوافدة المنحرفة، ويجيب عن التساؤلات الفكرية المتجددة، ويحارب الانحلال والسطحية، ويرسخ مفاهيم الكرامة والحرية المشروعة والعدالة الاجتماعية.

إنه ينزل بالفكر الديني من أبراج النظرية المجردة ليجعله قوة محركة للخير والتكافل وعمارة الأرض، مؤكداً أن العبادة الحقيقية لا تنفصل عن العمل الصالح والمسؤولية الاجتماعية. إن عالم الدين الأصيل يرى أن بناء الإنسان وتوجيهه ليكون خليفة الله في الأرض هو الطريق الوحيد لصناعة حياة فاضلة، تسودها الحكمة والعقلانية والأخلاق، وتتحقق فيها السعادة الدنيوية والأخروية جنباً إلى جنب.