الذهب لا يقدّس بالدماء.. قراءة في عنصرية المشروع الأغبى بالتاريخ.. المليار الذهبي..!
علي مؤيد محي الدين العبيدي ||

في زمنٍ يزعم فيه
البعض أنهم يحملون مشاعل التقدم والرقي، تطل علينا نظرياتٌ لا تغتفر، تحمل في طياتها رائحة الموت المقنّع بعناوين برّاقة. “المليار الذهبي” ليس مجرد مصطلح عابر، بل هو مشروع فكري يستهدف جوهر الإنسانية، متنكراً في ثياب العلم والتنمية.
فكرةُ اختصار البشرية من ثمانية مليارات إلى مليار واحد، ليست حلماً طوباوياً، بل كابوسٌ مرعب يرتدي حلّة “الذهب” لتزيين بشاعته. وكأنَّ من يطرحونه يرون في بقية البشر – السبعة مليارات – مجرد أرقامٍ زائدة، أو حطامٍ يعوق مسيرة النخبة المختارة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: كيف سيتم تحقيق هذه “الطهيرة” البشرية المزعومة؟
الإجابة – بحسب آليات هذا المشروع المشبوه – تكمن في صناعة الموت بكل الوسائل: أمراض مستحدثة كالإيدز وكورونا، حروب بيولوجية تُفقد الإنسان قدرته على المقاومة، ثم تأجيج نيران الطائفية والعرقية لتكمل ما بدأته الجراثيم. إنها معادلة شيطانية تجمع بين فيروسٍ قاتل، وحقدٍ عرقي، وفتنةٍ طائفية، كلها تؤدي إلى ذات المصير: الهلاك الجماعي.
وهنا نستذكر تشبيهاً مروعاً: “جنة الفئران”، تلك التجربة التي تُرك فيها الفئران في بيئة مغلقة حتى أكل بعضها بعضاً. فهل هذه هي النموذج الذي يسعى إليه أصحاب المليار الذهبي؟ عالمٌ يتصارع فيه البشر على البقاء، بينما النخبة تتفرج من علياء برجها العاجي؟
إنَّ هذه الرؤية ليست مجرد عنصرية، بل هي قمة العبث الأخلاقي. فحياة الإنسان ليست رقماً في معادلة، ولا يمكن اختصار كرامته في تصنيفات عرقية أو دينية. التنوع البشري ليس عيباً يجب تصحيحه، بل ثراءً يجب الاحتفاء به.
وإذا كان هناك أيُّ “ذهب” حقيقي، فهو في إنسانيتنا المشتركة، في قدرتنا على التعايش رغم الاختلاف، في لحظة تضامنٍ تُنسى فيها حدود اللون والدين والجنس.
لنتوقف قليلاً ونسأل: من يُعطي هؤلاء الحقَّ في تقرير من يحيا ومن يموت؟ ومن الذي يحدد معايير “الذهبية”؟ إنها أسئلة تعكس زيف هذه النظريات وتكشف وجهها القبيح.
في النهاية، نقول: يا أصحاب المليار الذهبي، إنَّ الذهب الذي تزعمونه نفيساً، إنما هو رصاصٌ مذابٌ في قلوب البشر. ولن يبقى من مشروعكم سوى ذكريات الموت والدمار، بينما الحياةُ ستنتصر بإرادة الشعوب التي ترفض الخضوع لأيِّ إلغاءٍ مقنّع بعناوين برّاقة.
وخلاصة القول: لا ذهبَ فوق دماء الأبرياء، ولا مجدَ فوق جثث الضحايا. القيمة الحقيقية هي في التمسك بالحياة للجميع، لا في اختصارها لقلةٍ تظنُّ نفسها فوق القانون الإنساني.
فهل آن الأوان لنقول: كفى تزييناً للشر، واكتفاءً بذهب الكرامة الإنسانية؟
الكاتب
علي مؤيد محي الدين العبيدي




