الإمام موسى الصدر… الرجل الذي أراد أن يغيّر معنى الشيعة ومعنى لبنان..!
أمين السكافي ||

مين السكافي
لم يكن الإمام موسى الصدر يبحث عن طائفةٍ أقوى في لبنان، بقدر ما كان يبحث عن لبنانٍ لا يحتاج فيه أحد إلى أن يكون قوياً كي يحصل على حقه.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
فالرجل الذي دخل لبنان في نهاية الخمسينيات لم يدخل بلداً ينقصه رجال الدين، ولا بلداً ينقصه السياسيون، ولا حتى بلداً تنقصه الطوائف. دخل بلداً كانت مشكلته أعمق: دولةٌ تتعايش فيها الطوائف، لكنها لم تنجح في أن تجعل مواطنيها متساوين؛ ونظامٌ يعرف كيف يحافظ على التوازن بين الزعامات، لكنه لا يعرف كيف يصنع العدالة بين المناطق.
وكان الجنوب هو المكان الذي تنكشف فيه هذه المعادلة بلا رتوش.
هناك، كان الفقر جغرافيا، والحرمان سياسة، والزعامة وسيلةً للحصول على الدولة، والحدود مع إسرائيل تجعل المواطن الجنوبي يدفع ثمن صراع لا يملك قرار بدايته ولا نهايته.
حين جاء موسى الصدر إلى لبنان، لم يكن يحمل معه مجرد عمامةٍ وكتاب فقه. كان يحمل تكويناً استثنائياً جمع بين الحوزة والجامعة، وبين التراث الديني والعقل الاجتماعي الحديث. ولد في قم سنة 1928 في بيت علم؛ والده السيد صدر الدين الصدر كان من كبار علماء الحوزة، وينتمي آل الصدر إلى واحدة من أعرق السلالات العلمية المتصلة بجبل عامل. لكنه لم يكتفِ بالتكوين الحوزوي، بل درس القانون والاقتصاد في جامعة طهران، قبل أن يعود إلى الحوزة مجدداً.
وهذا التفصيل ليس هامشياً.
فربما كان سر مشروعه كله أنه لم يرَ الإنسان من خلال الفقه وحده، ولا من خلال الاقتصاد وحده. كان يرى أن الدين الذي لا يقرأ واقع الإنسان يتحول إلى طقس، والسياسة التي لا ترى كرامة الإنسان تتحول إلى سلطة.
وحين وصل إلى لبنان، بعد دعوة من أبناء صور ومرجعياتها إثر وفاة الإمام عبد الحسين شرف الدين، كان الجنوب أمامه كاختبار لا كمنبر.
لم يرَ الجنوبي أولاً باعتباره شيعياً.
رآه باعتباره مواطناً منقوص الحقوق.
وهنا حدث التحول الكبير.
اكتشاف الجنوب
كان يمكن للصدر أن يفعل ما فعله كثيرون قبله: أن يدخل إلى الجنوب بوصفه مرجعاً دينياً لطائفة، فيبني شبكة من المريدين ويطالب بحصة سياسية أكبر.
لكنه ذهب إلى مكان آخر.
بدأ من المدرسة، والمستشفى، والمهنة، والمرأة، والمزارع، والعامل، ومن تنظيم المجتمع المحلي. أسس وأعاد تنظيم مؤسسات اجتماعية وتعليمية ومهنية، لأن الفكرة التي كانت تتحرك في رأسه كانت بسيطة وعميقة في آن: لا يمكن تحرير الإنسان من التبعية السياسية إذا بقي محتاجاً إلى الزعيم كي يجد مدرسةً أو وظيفةً أو علاجاً أو طريقاً.
لذلك لم تكن معركته مع الإقطاع السياسي مجرد معركة ضد أسماء عائلية بعينها.
كانت معركة ضد نظام اجتماعي كامل.
كان الإقطاع في نظره لا يعيش فقط في القصور والمقاعد النيابية، بل في العلاقة التي تجعل المواطن محتاجاً إلى وسيط كي يصل إلى حقه.
ولهذا كان مشروعه أخطر من منافسة عائلة على مقعد.
كان يريد إلغاء الحاجة إلى الوسيط نفسه.
من الشيعة إلى «المحرومين»
هنا تكمن إحدى أكثر أفكار الصدر ثورية وأقلها فهماً.
لقد بدأ من بيئة شيعية محرومة، لكنه رفض أن يحوّل الحرمان إلى عقيدة طائفية.
في عام 1974 أطلق «حركة المحرومين»، وجعل عنوانها يتجاوز الطائفة: لا ينبغي أن يبقى محروم في لبنان، ولا ينبغي أن تبقى منطقة محرومة.
لم يقل: «لا ينبغي أن يبقى شيعي محروم».
وهذا الفارق هو الذي يفسر لاحقاً علاقاته بالمسيحيين والسنة والدروز.
كان يريد نقل الشيعي من موقع الجماعة الخائفة إلى موقع المواطن الشريك.
وهذا في لبنان أخطر من أي خطاب مذهبي.
لأن الطائفية تستطيع أن تعيش على الخوف، أما المواطنة فتقتل وظيفة الخوف.
ومن هنا يمكن فهم موقفه من العائلات الكبرى. لم يكن يريد استبدال زعيم شيعي بزعيم شيعي آخر؛ كان يريد أن يتوقف المواطن عن كونه تابعاً لأي زعيم.
المسيحي ليس خصماً
كان يمكن للصراع على الحرمان أن يقوده إلى الانغلاق.
لكنه فعل العكس.
كلما اتسع مشروعه الشيعي، اتسع معه انفتاحه اللبناني.
كان يعرف أن لبنان لا يمكن أن يصبح عادلاً إذا شعر المسيحي بأنه مهدد، أو شعر المسلم بأنه تابع، أو شعر الدرزي بأنه خارج المعادلة.
ولذلك لم يكن حواره مع البطريركية أو رجال الدين المسيحيين مجاملة سياسية. كان جزءاً من تصور أعمق: لبنان لا يُبنى بتذويب الطوائف، بل بمنع الطوائف من أن تتحول إلى جزر معادية.
وهنا تصبح حادثة دير الأحمر في الحرب الأهلية أكثر من مجرد واقعة.
حين كانت الحرب تدفع اللبنانيين إلى تصنيف بعضهم بحسب الهوية، ذهب الصدر إلى دير الأحمر، إلى منطقة مسيحية محاصرة، في لحظة كان يمكن فيها لأي زعيم أن يخشى أن يخسر جمهوره.
لكن الصدر كان يقول عملياً إن حماية المسيحي ليست خدمة للمسيحي؛ إنها حماية للبنان الذي يريد أن يعيش فيه المسلم نفسه.
وهذه الفكرة تفسر شيئاً مهماً في شخصيته:
كان يؤمن بحق الشيعة، لكنه لم يؤمن بلبنان شيعياً.
وهذه ربما أهم جملة يمكن أن تختصر مشروعه.
فلسطين: ليست قضية بعيدة عن صور
ثم كانت فلسطين.
بالنسبة إلى الصدر، لم تكن فلسطين قضية خطاب قومي يُلقى في المهرجانات. كانت فلسطين جغرافيا لبنانية تبدأ من الحدود الجنوبية.
كان يرى أن إسرائيل ليست مجرد مشكلة فلسطينية، بل عامل تهديد مباشر للبنان، وأن الجنوب الذي تُترك قراه بلا حماية يتحول إلى الحلقة التي تدفع الثمن كل مرة.
لكن هنا أيضاً كان الصدر مختلفاً عن كثير من الخطابات التي سبقته.
لقد رفض أن يصبح الجنوب ساحة مفتوحة للحرب بالوكالة.
كان يرى أن المقاومة ضرورة، لكنه كان يريد أن تكون لها وظيفة محددة: حماية الأرض والناس، لا استخدام لبنان صندوق بريد بين العواصم.
ومن هنا عبارته التي تختصر فلسفته في العلاقة بين الداخل والخارج:
«سلام لبنان هو أفضل وجوه الحرب مع إسرائيل.»
هذه ليست جملة عن السلام بمعناه الاستسلامي.
إنها تعريف لوظيفة المقاومة نفسها.
فإذا كانت الحرب مع إسرائيل تؤدي إلى انهيار لبنان، فقد تتحول المقاومة إلى هزيمة استراتيجية حتى لو أصابت العدو.
أما إذا بقي لبنان متماسكاً، وبقي الجنوب صامداً، وتحولت طاقته إلى مقاومة الاحتلال، تصبح الدولة والمجتمع والمقاومة أجزاء من منظومة واحدة.
ولهذا كان الصدر يرى أن قتال إسرائيل واجب عندما تكون هناك مواجهة وعدوان، لكنه لم يرَ في السلاح قيمة بذاته.
السلاح عنده وسيلة، وليس هوية.
وهذه نقطة يجب عدم إغفالها عند قراءة تأسيس أفواج المقاومة اللبنانية.
لماذا أسس «أمل»؟
تأسيس أفواج المقاومة اللبنانية لم يكن خروجاً على فكر الصدر، بل كان نتيجة طبيعية لقراءته للجنوب.
الدولة اللبنانية لم تكن قادرة على حماية الحدود كما ينبغي، وإسرائيل كانت تضرب الجنوب، والمجتمع الجنوبي كان يشعر أنه متروك.
فكان السؤال أمامه: ماذا يفعل مجتمع أعزل حين تصبح أرضه مستباحة؟
جاءت «أمل» من هذا السؤال.
لكن المفارقة أن التنظيم الذي أنشئ للدفاع عن الجنوب وُلد عام 1975، أي في اللحظة نفسها تقريباً التي كان لبنان يدخل فيها الحرب الأهلية.
وهنا اصطدم مشروع الصدر بأكبر اختبار.
كيف تحمل السلاح للدفاع عن لبنان، ثم تمنع السلاح نفسه من أن يقتل لبنان؟
كان هذا هو السؤال الذي واجهه.
وكان جوابه واضحاً في ممارسته أكثر من تنظيره: لا للحرب الداخلية.
الإمام الذي حارب الحرب
في عام 1975، حين كانت البلاد تتجه إلى الهاوية، لم يجلس الصدر منتظراً أن تحسم البنادق الصراع.
دخل المسجد.
اعتصم في مسجد العاملية احتجاجاً على الحرب، مستخدماً جسده وصيامه ووجوده الشخصي كسلاح سياسي وأخلاقي.
وهنا تظهر عبقرية رمزية في الرجل.
فزعيم يملك قاعدة شعبية مسلحة كان يستطيع أن يقول لجمهوره: انزلوا إلى الشارع.
لكنه قال شيئاً آخر: أوقفوا الحرب.
كان يدرك أن انتصار طائفة على أخرى لن ينتج دولة، وأن سقوط الخصم لن يعني قيام الوطن.
ولذلك تحرك في اتجاهات متناقضة ظاهرياً: كان يقاوم إسرائيل، لكنه يتفاوض مع خصومه في الداخل؛ كان يبني تنظيماً مسلحاً، لكنه يعتصم في مسجد ضد الحرب؛ كان يرفع قضية المحرومين، لكنه يذهب إلى المناطق المسيحية المحاصرة؛ وكان يطالب بحقوق الشيعة، لكنه يرفض أن يتحول الشيعي إلى أسير للخوف من الآخر.
هذه التناقضات الظاهرية ليست تناقضات في الحقيقة.
إنها وحدة مشروع.
فالعدالة من دون وحدة تتحول إلى انتقام.
والمقاومة من دون دولة تتحول إلى فوضى.
والدولة من دون عدالة تتحول إلى إقطاع.
والطائفة من دون وطن تتحول إلى حصن.
والدين من دون إنسان يتحول إلى سلطة.
لماذا أصبح وجوده مزعجاً؟
ربما هنا يجب أن نبتعد قليلاً عن الرواية التقليدية التي تقول إن الصدر كان محبوباً من الجميع ثم اختفى.
الرجل كان، في الوقت نفسه، يزعج أطرافاً كثيرة.
كان يزعج الإقطاع لأنه يحرر الناس من التبعية.
ويزعج بعض القوى الفلسطينية واللبنانية حين يرفض أن يصبح الجنوب مجرد قاعدة للصراع.
ويزعج القوى الطائفية لأنه يتحدث عن مواطنة عابرة للطوائف.
ويزعج الذين يريدون حرباً أهلية طويلة لأنه كان يملك القدرة على تعبئة الشارع باتجاه معاكس.
ويزعج أصحاب المشاريع الإقليمية لأنه كان يريد للبنان هامش قرار.
وهنا يجب الحذر.
ليس لدينا دليل تاريخي قاطع يسمح بالقول إن كل هذه القوى تآمرت عليه، أو أن جهة ثالثة محددة قررت إخفاءه بسبب موقفه من الحرب الأهلية أو الجنوب.
لكن المؤكد أن الصدر لم يكن شخصية هامشية عندما اختفى.
كان لاعباً لبنانياً وعربياً يمتلك شبكة علاقات واسعة، ومشروعاً اجتماعياً، وقاعدة شعبية، وتنظيماً مسلحاً، وحضوراً بين المسلمين والمسيحيين.
ومن هنا يصبح اختفاؤه حدثاً سياسياً أكبر من اختفاء رجل.
31 آب 1978
في 25 آب وصل الصدر إلى ليبيا برفقة الشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدر الدين. وبعد أيام انقطعت أخبار الثلاثة.
قالت ليبيا إنهم غادروا إلى إيطاليا.
لكن التحقيقات الإيطالية التي بدأت بعد إعلان الاختفاء لم تجد ما يثبت وصولهم إلى روما، وتوصلت التحقيقات إلى مؤشرات قوية تناقض الرواية الليبية الرسمية. وما زالت القضية مفتوحة، وقد تسلم لبنان في تشرين الثاني 2025 ملف التحقيق الليبي في القضية، في تطور يعيد الملف إلى الواجهة من جديد.
أما القول إن القذافي وحده خطط ونفذ، أو أن هناك جهة أخرى خططت وهو نفذ، أو أن تغييب الصدر كان بسبب موقفه من الحرب الأهلية وحده، فكل ذلك يحتاج إلى دليل لا توفره المعطيات المنشورة بصورة حاسمة.
لكن هناك سؤالاً أعمق من سؤال «من قتله؟».
من كان المستفيد من غيابه؟
لأن الصدر كان يمثل مشروعاً يصعب وضعه في خانة واحدة.
لم يكن رجل محور بالمعنى الذي نعرفه اليوم.
ولم يكن رجل دولة تقليدياً.
ولم يكن رجل مقاومة فقط.
ولم يكن رجل دين فقط.
كان يريد أن يجمع أشياء كثيرة في رجل واحد: شيعة أقوياء، لبنان موحد، جنوب مقاوم، دولة عادلة، وفلسطين حاضرة، من دون أن يصبح لبنان ضحية لهذه المعادلات كلها.
ولهذا فإن غيابه ترك فراغاً لا يمكن تفسيره بشخصه وحده.
ماذا لو بقي الصدر؟
هذا السؤال ليس ترفاً تاريخياً.
ففي اللحظة التي غاب فيها، كانت الطائفة الشيعية اللبنانية تدخل مرحلة مختلفة، والحرب الأهلية كانت تتجه إلى مزيد من التعقيد، والجنوب كان يتحول تدريجياً إلى ساحة مفتوحة، ثم جاءت الاجتياحات الإسرائيلية، وتبدلت خريطة القوى، وتطورت المقاومة، وتعمقت الطوائفية السياسية.
لا يمكن إثبات أن الصدر كان سيمنع كل ذلك.
لكن يمكن القول إن مشروعه كان يمتلك عناصر نادرة: شرعية دينية، شعبية شيعية، علاقات مسيحية وإسلامية، اتصال عربي، قدرة تنظيمية، وفوق ذلك كله رفض مبدئي للحرب الداخلية.
وهذه التركيبة كانت قادرة، لو بقيت، على إنتاج مسار مختلف على الأقل.
الصدر الذي لم ينتهِ
لهذا فإن مأساة موسى الصدر ليست أنه اختفى.
المأساة أن لبنان نفسه لم يحسم بعد الأسئلة التي طرحها.
ما زال هناك محرومون.
ما زال المواطن يحتاج أحياناً إلى زعيم كي يصل إلى حقه.
ما زال الجنوب يدفع ثمن موقعه الجغرافي والسياسي.
ما زال السلاح موضوعاً للخلاف حول وظيفته وحدوده.
ما زالت الطوائف تبحث عن الأمان في طوائفها أكثر مما تبحث عنه في الدولة.
وما زالت فلسطين حاضرة في الجنوب اللبناني بوصفها قضية ومأزقاً في آن.
لهذا ربما لا يكون السؤال الحقيقي:
أين موسى الصدر؟
بل:
أين المشروع الذي كان يريد أن يجعل من وجود الشيعة قوة للبنان، ومن مقاومة إسرائيل حماية للجنوب، ومن الجنوب جزءاً من الدولة، ومن الدولة ضمانة للفقراء، ومن الحوار بين الطوائف شرطاً لبقاء الوطن؟
ربما لهذا السبب لم تستطع السنوات أن تنهي حضوره.
فالرجال يموتون حين تنتهي أفكارهم.
أما موسى الصدر، فقد اختفى جسده في 31 آب 1978، لكن الأسئلة التي حملها معه بقيت في لبنان.
وكلما عاد الجنوب إلى عين العاصفة، وكلما اشتعلت الطوائف، وكلما أصبح السلاح سؤالاً أكبر من الدولة، وكلما وقف فقير أمام باب زعيم طلباً لحقه، يعود الصدر من غيابه بطريقة أخرى.
لا يعود كرجل دين.
ولا كرئيس حركة.
ولا كصاحب مشروع طائفي.
بل يعود كسؤال.
هل يمكن أن يكون لبنان عادلاً من دون أن يكون ممزقاً؟
وهل يمكن أن يقاوم من دون أن يتحول إلى ساحة؟
وهل يمكن للشيعة أن يأخذوا حقهم من دون أن يأخذوا لبنان من غيرهم؟
وهل يمكن لفلسطين أن تبقى قضية من دون أن يصبح لبنان وقوداً لها؟
وهل يمكن أن يكون السلاح للدفاع عن الوطن لا بديلاً عن الوطن؟
ربما كان هذا هو سر الإمام المغيّب.
لم يترك وراءه جواباً نهائياً.
ترك مشروعاً لم يكتمل.
ولهذا ما زال حاضراً .




