الثلاثاء - 01 سبتمبر 2026

من طهران الى.. سنمطركم لهبا ببعضا من بأسنا..!

منذ 35 دقيقة
الثلاثاء - 01 سبتمبر 2026

الكاتب والباحث الاكاديمي صلاح الاركوازي||

 

 

 

إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا
في كل اعتداء تتعرض له طهران ومحور المقاومة كانت شهب النيران والغضب الحيدري ينزل على جميع القواعد العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية بالمنطقة والتي يمكن أن يسخره العدو في حربه المفروضة على طهران ومحور المقاومة ، وفي كل اعتداء كان رد طهران ردا قاسيا وما حدث يوم امس لخير دليل حيث صرحت القيادة في طهران بان كل اعتداء سوف يقابل بعشرة اضعافها قسوة وقوة واليوم بدأت الصور ومقاطع الفيديو تنتشر في مواقع التواصل الاجتماعي تظهر دقة الاصابات ومدى الدمار في هذه القواعد التي انطلقت منها العدوان على طهران، حيث سبق وقد أنذرت طهران عن قوة وفسوة الرد هذه المرة.
تأتي هذه السطور لتختزل مشاهد من التصعيد العسكري والخطاب الحماسي المستمر بين محور “طهران” و”واشنطن”، ممزوجة باقتطافات قرآنية من سورة الأحزاب (الآيات 10-12) التي تصف لحظات الشدة والابتلاء الخاطف للألباب خلال غوة الخندق.
إن استخدام النصوص الدينية والآيات التي تتحدث عن المحن الكبرى في سياق الصراعات الجيوسياسية المعاصرة يعكس بعداً فكرياً ونفسياً يستحق التفكيك والتحليل المعمق:
1 – توظيف الرمزية التاريخية في الصراعات الحديثة
استحضار اللحظة الفاصلة: تعبر الآيات الكريمة عن حالة إحاطة الأعداء بالمؤمنين من كل جانب (“من فوقكم ومن أسفل منكم”). في الخطاب السياسي والعسكري المعاصر، يُعاد استخدام هذه الصور لترسيخ شعور “الحصار المتبادل” أو “المواجهة الحتمية” بين القوى الإقليمية والدولية.
إضفاء الصبغة العقائدية: تحويل النزاع السريع أو الحرب الكلامية والمسلحة من مجرد صراع نفوذ ومصالح جيو-استراتيجية بين دولتين إلى مواجهة ممتدة ومفصلية في الوجدان الإنساني والديني.
2 – السيكولوجيا النفسية تحت وطأة التهديد
تفاوت ردود الأفعال عند الأزمات: تبين الآيات طبيعة النفس البشرية حين يبلغ الخوف مبلغه (“وبلغت القلوب الحناجر”). تُقسم الآيات السلوك البشري في أوقات المحن الشديدة إلى فئتين:
فئة الثبات والابتلاء: التي ترى في الشدائد اختباراً ينبغي الصبر عليه وزيادة في الإيمان.
فئة الانكسار والتشكيك: التي يمثلها الخطاب القرآني بـ “المنافقين والذين في قلوبهم مرض”، حيث ينهار الرهان النفسي لديهم عند أول مواجهة حقيقية ويشعرون بأن الوعود بالنصر كانت مجرد أوهام (“غروراً”).
3 – الواقع الجيوسياسي: بين “الصرخة” و”الحسابات البرجماتية”
الردع الكلامي مقابل الميدان: الخطابات التي تحمل طابعاً نادباً أو تهديدياً عالي النبرة (“سنمطركم لهباً”) تُستخدم غالباً في إطار “حرب الحروب” ورفع الروح المعنوية، ولفرض معادلات ردع استباقية.
حسابات القوى الكبرى: في الصراع بين طهران وواشنطن، ورغم الراديكالية الظاهرة في التصريحات المتبادلة، تشير إدارة الأزمات تاريخياً إلى وجود حدود وضوابط تحكم اللعبة لتجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة لا يحمد عقباها لأي طرف.
إن القراءة المعمقة لهذا النص تظهر كيف يتداخل الخطاب العسكري الحماسي مع الاستشهاد القرآني لتقديم رؤية ترى في الصراعات الحالية امتداداً لسنة الابتلاء والتمحيص الإلهي، حيث تُختبر الإرادات وتتمكّن الشعوب والمجتمعات من تمييز مواقف الصمود من مواقف التراجع والشك.

يقوم التوظيف السياسي والديني للنص القرآني في الأزمات الجيوسياسية على تفكيك أعمق للأبعاد الرمزية، والنفسية، والاستراتيجية التي تحكم الخطاب المتبادل بين إيران والولايات المتحدة عند التلويح بالقتال أو استخدام لغة “الوعيد والابتلاء”.
1 – البعد الأيديولوجي: تحويل الصراع الجيوسياسي إلى “معركة وجودية”
شرعنة المواجهة: إسقاط آيات سورة الأحزاب على الواقع المعاصر ينقل الصراع من مجرد نزاع على النفوذ، أو البرنامج النووي، أو الممرات المائية، إلى مواجهة حتمية ذات طابع عقائدي يُصبح فيها الصمود واجباً شرعياً وأخلاقياً.
إعادة تعريف أطراف الصراع: يُصنّف الخصم الخارجي (واشنطن) في هذا الخطاب كقوة محاصِرة أو غازية (“من فوقكم ومن أسفل منكم”)، بينما يُصنّف المشككون في الداخل أو الداعون للتهدئة كـ “منافقين” و”مرضى القلوب”.
إستراتيجية التعبئة: يساعد هذا الربط على رفع السقف النفسي للجماهير، حيث يُصور البلاء والضيق الاقتصادي أو العسكري على أنه تمحيص إلهي مؤقت يسبق النصر.
2 – سيكولوجية الأزمات: التفكيك النفسي لحالة “زاوغت الأبصار”
أ – صدمة الخوف والارباك: تصف الآيات أقصى درجات الضغط النفسي (“بلغت القلوب الحناجر”). في الحروب الحديثة، يُترجم ذلك إلى “الحرب النفسية” والحروب السيبرانية وحرب الشائعات التي تهدف إلى إحداث شلل في اتخاذ القرار وتفكيك الجبهة الداخلية.
انقسام الرأي العام تحت الابتلاء:
تيار الصمود: يرى في اشتداد الأزمة مؤشراً على الاقتراب من اللحظة الحاسمة، فيزداد تمسكاً بالخيار العسكري والردعي.
تيار التشكيك والانكفاء: يرى في الوعود الرسمية بالنصر “غروراً” وأوهاماً غير واقعية أمام ميزان القوى التقني والعسكري الهائل للطرف الآخر.
3 – البعد الاستراتيجي: معادلة “الردع بالغموض” والحرب الكلامية
أ – الرسائل المزدوجة: عبارات مثل “سنمطركم لهباً من طهران إلى واشنطن” تُستخدم في أدبيات الردع المتبادل. وهي موجهة لجمهورين في وقت واحد:
ب – الجمهور الداخلي والإقليمي: لإظهار القوة والجاهزية وعدم التراجع أمام الضغوط.
الخصم الخارجي: لرفع تكلفة أي قرار بالهجوم عبر الإيحاء بأن الرد سيكون شاملاً وغير متوقع.
ج – فجوة الخطاب والميدان: التاريخ القريب للصراع الإيراني-أمريكي يظهر أن التصعيد الكلامي العنيف غالباً ما ترافقه قواعد اشتباك مضبوطة بدقة لتجنب الانزلاق إلى حرب شاملة مفتوحة، مما يجعل “الوعيد” جزءاً من أدوات التفاوض تحت النار.
4 – قراءة نقدية: خطورة إسقاط النص التاريخي على الواقع المعاصر
تغيّر قواعد اللعبة: معارك العصر الحديث لا تُحسم فقط بالثبات النفسي والعددي كما في العصور القديمة، بل بالردع التكنولوجي، والتفوق الجوي، والتوازنات الاقتصادية، وإدارة شبكات التحالفات الدولية.
مخاطر سوء الحسابات: إن الاستغراق في الخطاب الحماسي والعقائدي قد يدفع الأطراف إلى محاصرة أنفسهم في خيارات لا تتيح لهم خطوطاً للرجوع أو التهدئة الدبلوماسية عند وصول الأزمة إلى حافة الهاوية.

يتطلب التعمق الأكبر تفكيك الهيكلية البنائية للتكتيكات الشاملة التي تحكم هذه المواجهة، وتحديداً كيف يتحول النص العقائدي والخطاب الحماسي إلى أدوات عملية في إدارة الصراعات المعقدة:
1 – عقيدة “الردع غير المتماثل” و”المنطقة الرمادية”
كسر ميزان القوى التقني: تدرك القوى الإقليمية أن المواجهة المباشرة مع التكنولوجيا الأمريكية التقليدية غير متكافئة. لذا تُصمم أدوات الردع (“سنمطركم لهباً”) لتعتمد على الحرب الهجينة: المسيرات، الصواريخ السريعة، الشبكات المحلية، والحروب السيبرانية.
العمل في المنطقة الرمادية (Gray Zone): البقاء في مساحة الصراع التي تقع أسفل خط الحرب الشاملة وأعلى من مستوى السلام العادي، مما يفرض على الخصم حالة مستمرة من الاستنزاف البطيء دون الوصول لمرحلة الانفجار المباشر.
2 – تفكيك سيكولوجيا “زِلْزَالًا شَدِيدًا”: إدارة الصدمة والترهيب
أ – الحرب المعرفية (Cognitive Warfare): الاستشهاد بآيات الابتلاء والزلزلة لا يستهدف الردع المادي فحسب، بل يستهدف البنية الذهنية للخصم وللرأي العام. الهدف هو صناعة حالة من الإرباك والشك في القرارات الاستراتيجية للمقابل.
ب – استراتيجية حافة الهاوية (Brinkmanship): رفع درجة التوتر إلى أقصاها لإجبار الطرف الآخر على إعادة حساب تكلفة الاستمرار في التصعيد، وإشعار المجتمع الدولي بأن المنطقة على وشك الانفجار.
3 – صراع الشرعيات والبيئة الإقليمية
اولاً – محور التحليل:-
1. الجبهة الداخلية
2. المحيط الإقليمي
3. الخصم الدولي
ثانياً – الخطاب الحماسي/العقائدي:
1. تعبئة روحيّة، وتصوير الصبر والضائقة كابتلاء يسبقه النصر
2. فرض معادلة “الردع الصامت” والتذكير بانتشار القدرات في نقاط متعددة
3. إظهار الجاهزية للصدام الكامل وعدم الخوف من التبعات
ثالثاً – الواقع الاستراتيجي الميداني:
1. امتصاص الغضب الشعبي وتحويل الأزمات المعيشية إلى “قضية وجودية”.
2. تقييد حركة القواعد والمصالح الأمريكية بالتهديد بمنع حرية الملاحة أو الطاقة.
3. فتح قنوات خلفية غير مباشرة لمنع سوء التقدير الكارثي (Miscalculation).
4 – الحتمية النفعية: بين النبؤة والواقعية السياسية
تكمن الخطورة الكبرى في التداخل بين اليقين العقائدي والحسابات البرجماتية؛ فالاعتماد المفرط على الخطاب الوجودي قد يقلل من المساحة المتاحة للمناورة الدبلوماسية. ومع ذلك، تُظهر التجارب التاريخية أن قيادة الأزمات بين طهران وواشنطن تتبع دائماً خطاً رائعاً بين إظهار البأس الأقصى علناً وإدارة المصالح بحذر شديد خلف الكواليس.