إلى وزارة الصحة العراقية مع التحية..!
الكاتب والناقد السياسي حسن درباش العامري ||

حين يصبح الطبيب ضحيةً للمراجعين، ويصبح المريض ضحيةً للنظام
لم أكن أرغب في كتابة هذا المقال، لكنني أعتقد أن بعض التجارب الشخصية تتحول من مجرد موقف عابر إلى شهادة يجب أن تُسمع، خصوصاً عندما يكون الأمر متعلقاً بصحة الإنسان وحقه في أن يجد من يستمع إليه عندما يطرق باب المؤسسة الصحية.
اضطررت قبل أيام إلى مراجعة إحدى المؤسسات الطبية التابعة لوزارة الصحة العراقية في جانب الكرخ من بغداد، إثر ألم مفاجئ شعرت به في كليتي. دخلت وأنا أبحث عن طبيب يشخص حالتي ويطمئنني أو يوجهني إلى الفحص المناسب، لكنني وجدت نفسي أمام مشهد مختلف تماماً.
كان الطبيب الاختصاص يستقبل المرضى بطريقة توحي وكأن المراجعين جميعاً قد أصبحوا عبئاً ثقيلاً عليه او ان هنالك خصومة شخصيه له من المرضى وهذا مغاير لسلوكه عندما يستقبلهم في عيادته الخاصة حين يكون منشرح الصدر وبأبتسامه عريضة !، وكان الحديث يجري بأسلوب الغاضب الذي يبدو أن على المريض أن يحاول إرضاءه حتى يحصل على الحد الأدنى من الاهتمام او مادون الحد الادنى . والأسوأ من ذلك أنني شعرت بأنه لا يستمع فعلياً إلى ما أقوله عن الأعراض.
حين شرحت له أنني أعاني من ألم في منطقة الكلى، وجدت أن توجيهه كان نحو اختصاص المفاصل. فقلت له باستغراب: وماذا أفعل في قسم المفاصل؟ أنا أتحدث عن ألم أشعر به منطقة الكلى
لكن بدلاً من أن يبدأ الطبيب بالاستفسار عن طبيعة الألم، ومكانه، ومدته، وما إذا كان مصحوباً بأعراض أخرى، بدا وكأنه اختار التجاهل، وكأن ملاحظتي قد أحرجته، فاحتمى بالصمت وعدم الاهتمام.
وهنا أقولها بوضوح: أنا لا أحمّل الطبيب وحده مسؤولية ما حدث.
ففي الغرفة نفسها كان هناك عدد كبير من الأطباء، يتجاوز السبعة بين اختصاص وممارس ومقيم، ومع ذلك كان عدد المرضى والمراجعين أكبر بكثير من قدرة الفريق الطبي على التعامل معهم بصورة إنسانية وعلمية في آن واحد.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.
المشكلة ليست دائماً في الطبيب… بل في النظام الذي يضع الطبيب والمريض في مواجهة بعضهما.
كيف يمكن لطبيب أن يستمع إلى عشرات المرضى يومياً، وأن يفحص كل واحد منهم بعناية، وأن يراجع تاريخه المرضي، وأن يطرح الأسئلة الضرورية، وأن يفكر في الاحتمالات التشخيصية المختلفة، إذا كان عدد المراجعين يفوق طاقة المؤسسة الطبية والكوادر الموجودة فيها؟
في هذه الحالة يتحول الطبيب تدريجياً إلى موظف يحاول إنهاء أكبر عدد ممكن من الملفات، ويتحول المريض من إنسان يحتاج إلى الرعاية إلى رقم جديد في طابور طويل.
وهنا نخسر الاثنين معاً.
نخسر الطبيب الذي يفقد صبره تحت ضغط العمل ولو كنا منصفين فأن عدد المراجعيين لايفرض على الطبيب التعالي فهو يعمل في المؤسسة الطبيه بمرتب وعليه ان يعطي العمل حقه ولكن اجده يتعامل وكأن الامر مختلف فهو يعتقد ان واجب المريض ان يتودد له ويترجاه وكانه الوحيد في العالم الذي يعرف بان هذا العلاج يستخدم لعلاج الكلى ، ونخسر المريض الذي يدخل المؤسسة الصحية طالباً العلاج فيخرج منها وهو يشعر بأنه لم يُسمع أصلاً.
وهذا يقودنا إلى سؤال أكبر من حادثة شخصية:
هل البنية الصحية في العراق تتناسب فعلاً مع عدد السكان وحجم الحاجة الطبية؟
الإجابة، في تقديري، تحتاج إلى مراجعة جادة وشجاعة.
العراق تغير كثيراً من حيث عدد السكان، وتغيرت طبيعة الأمراض والحاجات الصحية، بينما ما زالت البنية التحتية الصحية في كثير من المناطق تعمل بطاقة لا تتناسب مع حجم الضغط الواقع عليها.
نحن بحاجة إلى أن نتوقف عن التفكير في القطاع الصحي بمنطق المراكز الصحية الصغيرة وحدها، وأن نبدأ بالتفكير في بناء منظومة مستشفيات حديثة ومتخصصة، موزعة جغرافياً وفق الكثافة السكانية والحاجة الفعلية.
فالمستشفى ليس مجرد بناية.
المستشفى يعني طبيباً وممرضاً وتقنياً ومختبراً وأجهزة تشخيص وصيدلية وطوارئ وأسرة ورعاية متخصصة، ويعني قبل ذلك كله فرصة حقيقية لتخفيف الضغط عن المؤسسات القائمة.
والأمر الآخر الذي يجب ألا نتجاهله هو ملف الخريجين والطاقات الطبية والصحية الشابة.
كيف يعقل أن تكون لدينا أعداد من خريجي الكليات والمعاهد الطبية والصحية الذين يبحثون عن فرصة عمل، وفي الوقت نفسه تكون مستشفياتنا ومؤسساتنا الصحية مكتظة بالمراجعين، والكوادر الموجودة تعمل تحت ضغط يفوق طاقتها؟
أليست المعادلة بحاجة إلى إعادة نظر؟
بدلاً من أن تبقى طاقات الشباب الطبية والصحية معلقة، وبدلاً من أن نضع الطبيب تحت ضغط مئات المرضى، لماذا لا تكون لدينا خطة وطنية للتوسع الصحي تقوم على بناء مستشفيات جديدة واستحداث أقسام تخصصية واستثمار هذه الطاقات البشرية؟
إن بناء مستشفى جديد لا يعني فقط إضافة بناية إلى خارطة المدن.
إنه يعني خلق فرص عمل، وتشغيل الخريجين، وتخفيف الضغط عن المستشفيات القديمة، ورفع مستوى الخدمة، وتقليل وقت انتظار المريض، وتحسين قدرة الطبيب على التشخيص والعلاج.
وهناك نقطة أخرى لا تقل أهمية:
نحن بحاجة إلى إعادة النظر في فلسفة إدارة المؤسسات الصحية نفسها.
المريض ليس رقماً.
والمراجع ليس شخصاً جاء ليزعج الطبيب.
والطبيب ليس آلة مطالبة بأن تستقبل عشرات أو مئات الحالات خلال ساعات قليلة دون أن يتأثر أداؤه الإنساني والعلمي.
الطب يبدأ بالاستماع قبل أن يبدأ بالوصفة.
وقد تكون كلمة واحدة يقولها المريض عن عرض بسيط هي التي تقود الطبيب إلى التشخيص الصحيح. وقد يكون تجاهل تلك الكلمة هو الذي يقود إلى تشخيص خاطئ أو تأخير في العلاج.
لذلك فإننا حين نطالب وزارة الصحة بتحسين واقع المؤسسات الصحية، لا نطالبها فقط بشراء أجهزة أو بناء أبنية، بل نطالبها ببناء نظام صحي يحمي المريض والطبيب في الوقت نفسه.
أقول هذا الكلام وأنا أعرف أن في وزارة الصحة العراقية أطباء وكوادر مخلصة تعمل في ظروف صعبة، وأعرف أن كثيراً من العاملين في المؤسسات الصحية يواصلون العمل لساعات طويلة وسط أعداد هائلة من المراجعين.
لكن الاعتراف بتعب الطبيب لا يعني السكوت عن معاناة المريض.
والدفاع عن المريض لا يعني اتهام الطبيب.
المطلوب أن نصلح البيئة التي وضعت الاثنين في هذه المواجهة.
يا وزارة الصحة العراقية…
لا تجعلوا الطبيب يكره المريض من كثرة ما يرى، ولا تجعلوا المريض يخاف من الطبيب بسبب ما يلقاه من جفاء أو استعجال.
افتحوا أبواباً جديدة للطاقات الطبية الشابة.
ابنوا مستشفيات تتناسب مع العراق الجديد وعدد سكانه.
وسعوا الاختصاصات والأقسام والطوارئ.
خففوا الزخم عن المؤسسات التي تحولت إلى ساحات انتظار بشرية.
وأعيدوا للمريض حقه في أن يجلس أمام الطبيب ويشرح ألمه دون أن يشعر بأنه يعتذر عن مرضه.
فالمستشفى الذي لا يجد فيه المريض من يستمع إليه، مهما امتلك من أجهزة ومعدات، يبقى بحاجة إلى إصلاح جوهري.
أما الطبيب الذي يجد الوقت الكافي ليفحص ويستمع ويفكر، فسوف يكون أول المستفيدين من هذا الإصلاح.
الصحة ليست خدمة ثانوية يمكن تأجيلها… إنها حق المواطن الأول، والاستثمار فيها ليس إنفاقاً، بل استثمار في الإنسان والعراق.وهنا لدي اقتراح اجده اكثر الحاحا وهو ان يخير الطبيب بين العمل بالقطاع العام وبين العمل في العيادة الخاصه .وهنا سنضمن ثبات شخصيته وتعامله مع المريض !!




