محمّد رسول الله.. المنار الأنساني والرمز الحضاري الشامل..!
د. عامر الطائي ||

إنّ الحديث عن محمّد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله) ليس مجرّد استحضارٍ لصفحةٍ ذهبية من صفحات التاريخ، ولا هو مجرّد سردٍ لبطولاتٍ ومآثر انقضت أيامها ومُحيَت أثارها، بل هو غوصٌ في أصول الفكر الإنساني الشامل وتأملٌ في أسباب قيام الحضارات العادلة التي تبتني على روح العلم والحرية والكرامة الإنسانية.
لقد جاء النبي الأعظم ليقتلع الجهل من جذوره، لا بأسياف الفاتحين ولا بصخب الجبابرة، بل بنور العقل وهداية الوحي وسمو الأخلاق؛ فصنع من أمةٍ كانت تتناحر على القطرة من الماء وتستعبد القوي فيها الضعيف، أمةً علّمت الدنيا معنى العدالة الحقيقية وأرست دعائم مدنيّةٍ لم تشهد لها البشرية نظيراً.
إنّ القدوة الحضارية التي تجسّدت في شخصية الرسول ليست شعاراتٍ برّاقة تُرفع في المحافل، بل هي منهج حياةٍ واقعي وعملي، يربط بين السماء والأرض، ويرفع من قيمة الإنسان بوصفه الخليفة والمُكرَّم عند الله دون نظرٍ إلى جنسه أو لونه أو نسبه.
لقد غرس محمد (صلى الله عليه وآله) في ضمير الإنسانية أنّ العلم هو الفريضة الأولى، وأنّ العدل هو الميزان الحاكم، وأنّ الحرية لا تكتمل إلا بالتحرر من عبودية الأوهام والشهوات واستبداد الظالمين؛ فأسس بذلك حضارةً روحية وأخلاقية ومادية في آنٍ واحد، تنبض بالحياة وتتسع لجميع البشر على اختلاف أفكارهم وأعراقهم.
واليوم، والبشرية تخوض غمار أزماتها وتتخبط في ظلمات المادية العاصفة والأنانية المفرطة، تعود الحاجة ملحةً وأشدّ شناعةً إلى استلهام تلك السيرة العطرة واستعادة ذلك النهج الحضاري الفذ، لنثبت للعالم أجمع أنّ محمداً لم يكن مجرد قائدٍ تاريخي، بل هو منارٌ للرشد ورمزٌ للرحمة الإنسانية الشاملة التي تبني العمران وتصون الإنسان في كل زمان ومكان.




