الجمعة - 28 اغسطس 2026

كيف أضاعت قيادات شيعية حق المكوّن الأكبر؟!

منذ ساعتين
الجمعة - 28 اغسطس 2026

عباس سرحان ||

 

 

ارتكبت قيادات سياسية شيعية خطأً جسيماً حين صيّرت حق المكوّن الأكبر في اختيار رئيس الوزراء رهينةً لتوافقات عراقية داخلية وعربية وخارجية. فما كان يُفترض أن يكون تعبيراً طبيعياً عن إرادة أكبر مكوّنات الشعب العراقي، تحوّل إلى قرار جماعي لا يُتخذ إلا بموافقة الآخرين من عراقيين وإقليميين. وأوضح مثال على ذلك أن ترشح مرشح مهم سُحب بحجة أن عواصم خليجية وأمريكا لا تؤيد ترشيحه.

وبترسيخ هذه المعادلة أصبح منصب رئاسة الوزراء مجرد مساومة سياسية، بل تنازلٌ جوهري عن مبدأ ديمقراطي مهم يقوم على أساس أن من يملك الأغلبية البرلمانية يحق له، كأي ديمقراطية طبيعية، أن يختار من يمثله دون وصاية خارجية على قراره.

والأدهى من هذا التنازل أن هذه القوى، التي لا حاجة لتسميتها لأن أفعالها تكفي للتعريف بها، لم تكتفِ برهن القرار الشيعي، بل مارست منذ عام 2014 نمطاً متكرراً في اختيار أضعف المرشحين لا أقواهم، بذريعة “عدم المقبولية الوطنية والإقليمية”.

فبدل أن يذهب المنصب لمن يملك الكاريزما والقدرة الفعلية على الحكم، ذهب مراراً لشخصيات توافقية بلا ثقل سياسي وشخصي حقيقي، فتحوّلت رئاسة الوزراء، أعلى منصب تنفيذي في البلاد، إلى موقع شكلي عاجز عن اتخاذ قرار مستقل، الأمر الذي انعكس مباشرة على صورة العراق الداخلية والخارجية، وأضعف سيادته وحضوره في محيطه الإقليمي والدولي.

ولم يكن هذا الاختيار المتكرر للضعيف عفوياً أو بريئاً، بل كان على الأرجح محسوباً بدقة، فرئيس وزراء ضعيف لا يملك سلطة حقيقية على وزرائه ومديريه العامين، هو بالضبط ما تحتاجه الأحزاب المتنفذة لتُبقي وزراءها ومديريها بمنأى عن أي محاسبة حكومية أو ملاحقة قانونية جادة.

فإضعاف المنصب لم يكن غاية بحد ذاته، بل وسيلة لتقوية النفوذ الحزبي الضيق على حساب الدولة ومؤسساتها، وتأمين مساحة آمنة لنهب المال العام دون رقيب فعلي يملك صلاحية الاعتراض.

لكن هذه الحسابات الحزبية الضيقة أنتجت وقائع عكسية لم يحسب لها أصحابها حساباً، إذ فقد المكوّن الشيعي، بمرور السنين، ثقته الكاملة في الطبقة السياسية التي تصدّرت المشهد باسمه.

فمن أراد إضعاف خصومه الأقوياء داخل بيته السياسي، انتهى به الأمر إلى حرق الجميع بالنار ذاتها، لأن الشارع الشيعي، الذي راقب هذا التكرار المتعمّد لاختيار الأضعف، لم يعد يميّز بين قوي وضعيف، ولا بين نزيه وفاسد، بل بات يرجم الجميع.

وهكذا انقلب السحر على الساحر. فمن سعى لتحييد منافسيه بإضعاف المنصب، أضعف معهم شرعية كل من يتصدى للشأن العام باسم هذا المكوّن، وترك الساحة أمام فراغ ثقة قد يطول أثره لسنوات مقبلة، لا يقتصر ضرره على الأحزاب التي صنعته، بل يطال المكوّن كله الذي اختُطف قراره باسم تمثيله.