الخميس - 20 اغسطس 2026
منذ 3 ساعات
الخميس - 20 اغسطس 2026

رياض الفرطوسي ||

 

 

 

يقف الهيكل المستمر منذ عقود على أرض رمال متحرّكة، والسنوات القريبة القادمة لن تكون سوى الإيقاع البطولي البطيء لسقوطٍ بدأ بالفعل من الداخل.

إن المسألة لم تعد تتعلّق بنوايا الطبقة الحاكمة ولا بمدى كفاءة الوجوه المعيّنة هنا وهناك، بل بالطبيعة البنيوية لنظامٍ أُسّس ليكون جهازاً لاستنزاف الموارد بدلاً من إدارة الدولة. حين تتجزّأ السلطة على أساس التخادم الهوياتي والزبائني، تتحول المؤسسات العامة من وسائل لتنفيذ السياسات وإشاعة العدالة إلى مساحات للاستحواذ وتقاسم المزايا، ليصبح العجز متأصلاً في أصل التصميم لا مجرد خطأ في التطبيق.

يتجلّى المرض التكويني في حقيقة أن الفساد الإداري والمالي لم يعد سلوكاً طارئاً يمارسه أفراد، بل تحوّل إلى آلية العمل الوحيدة الممكنة لاستمرار التوازن بين القوى السياسية. إن الصمت المتبادل وإغلاق الملفات والتغاضي عن خرق القوانين هي قواعد الاشتباك غير المعلنة التي تسمح باستمرار اللعبة.

وفي اقتصادٍ أحاديّ الاعتماد على النفط، تتضاءل الدولة لتصبح مجرد شباك لتوزيع الريع، فتتحول السياسة من التنافس على برامج التنمية إلى صراعٍ ضارٍ للوصول إلى منابع الثروة. ولهذا، فإن كل جولات الإصلاح الشكلي وعمليات “التطهير” الجزئية لا تتعدى كونها مسكنات موقتة أو أدوات لتصفية الحسابات وإعادة توزيع الأدوار بين الأطراف المتصارعة.

وتتضح ظاهرة “تجميل البنية” حين تُدفع إلى الواجهة شخصياتٌ تُقدَّم بوصفها تكنوقراطية أو مستقلة أو قادمة من صلب الإدارة، لتستجيب لضغط الشارع وتمنح المنظومة مهلة إضافية.

غير أن هذه الواجهات المقنّعة بأدبيات التطوير والنزاهة غالباً ما تُستخدم كغطاء يمارس من خلفه الفاعلون الحقيقيون نفس آليات التخادم القديمة بعيداً عن الرقابة. وكما تشير الأطروحات الفكرية في دراسة علم الاجتماع السياسي، فإن الكيانات المؤسسية حين تفقد وظيفتها الخدمية تتحول إلى أجهزة لحماية نفسها فقط؛ تصبح السلطة غايةً لبناء الجدران الدفاعية والوقاية من المراجعة، لا أداةً للنهوض بالمجتمع.

إن الخلل الأساسي في الخطاب النقدي العام طوال العقود الماضية تمثّل في مخاطبة هذا النمط من الإدارة وكأنه ينشد نصحاً أو يبحث عن خطط إستراتيجية.

الواقع يعكس انقطاعاً كاملاً بين تنظيرات النخب وبين المنطق الذي تتحرك به القوى الفاعلة على الأرض. وبمرور الوقت، يتولد لدى المواطن شعور عميق بالاغتراب المؤسسي، حيث يرى المؤسسة الرسمية شيئاً والقوة الحقيقية التي تسير الأمور شيئاً آخر تماماً. هذا التشظي النفسي والمؤسسي يحول المجتمع تدريجياً إلى شريك غير مباشر في الأزمة عبر التكيف الإجباري والتعايش مع مظاهر التداعي اليومي.

تستند القراءة التحليلية للمستقبل إلى حقيقة علمية بسيطة: الأنظمة المقامة على التخادم لا تتطلب بالضرورة صدمة خارجية أو حروباً لكي تنتهي، بل تنهار بموجب المبدأ الفيزيائي للتآكل الذاتي. عندما تعجز الدولة عن إنتاج الخدمات الأساسية، وتستهلك ثروتها الوطنية في صيانة شبكاتها الحزبية بدلاً من بناء قاطرة اقتصادية استثمارية، تصل إلى نقطة العجز عن حماية بنيتها نفسها.

إن “الارتطام الأخير” ليس حدثاً فجائياً أو لحظة سينمائية واحدة، بل هو المآل الذاتي والمنطقي لمسارٍ طويل تم فيه استنزاف القدرات وإهمال معالجة البنية التحتية والمؤسسية. وحين يستوعب العقل الجمعي هذه الحقيقة، يتوقف عن انتظار معجزات ترقيعية، مدركاً أن أي هيكل يستند إلى الأسس الاختلالية ذاتها محكومٌ بلحظة التوقف الكامل، مهما طال أمد الانتظار.