الخميس - 20 اغسطس 2026

يوم الحسم الامريكي.. نسخة جديدة من فشل مكرر..!

منذ 6 ساعات
الخميس - 20 اغسطس 2026

عباس سرحان ||

 

 

أعلن ترامب الأربعاء 19آب “يوم الحسم الاقتصادي” ضد إيران، وكأنه يكتشف اختراعًا جديدًا في علم الضغط الدولي. ولحقيقة المثيرة للسخرية أن هذا “الاختراع” عمره 47 عامًا تماما، وقد جرّبته ثماني إدارات أمريكية متعاقبة، وفشل في كل مرة بتحقيق ما وُعد به – وها هو يُعاد تدويره اليوم بلغة أكثر ضجيجًا، وكأن تكراره كفيل بتحقيق ما لم يتحقق سابقا.

ربما يحتسي الرئيس الامريكي الكثير من الاشياء التي تُذهب التركيز، فنسي أن إيران هي ثاني أكثر دولة معاقَبة في العالم بعد روسيا، إذ تخضع لنحو 5,500 عقوبة متراكمة منذ عام 1979. خمسة آلاف وخمسمئة عقوبة! وما زال الايرانيون يعملون ويستمتعون بالحياة ويسافرون ويصنعون الصواريخ بأنواعها الفخمة.

فلو كانت العقوبات وحدها قادرة على “تركيع” الشعوب، لكانت إيران اليوم منبطحة وليست راكعة فقط. لكنها، وبعد كل هذه العقود، لا تزال تُصدّر النفط وتُطلق الصواريخ وتتفاوض من موقع الند لا المستسلم.

والمفارقة الأعمق أن حتى المؤسسات الأمريكية نفسها توثّق فشل هذه الأداة. فبحسب تقديرات متخصصة، لم تنجح العقوبات – رغم اتساعها غير المسبوق – في كبح البرنامج النووي الإيراني ولا في تقليص نفوذها الإقليمي، بل أدت بالأساس إلى اضرار معيشية تكيفت معها ايران، فيما ظل النظام السياسي نفسه صامدًا. وهذا بالضبط ما يجعل “يوم الحسم” الذي يبشّر به ترامب هذه الايام أقرب إلى إعادة عرض لفيلم رديء شاهده الجمهور الإيراني ثماني مرات من قبل، ويعرف نهايته سلفًا.

فماذا تغيّر إذن ليصدّق العالم أن العقوبات “غير المسبوقة” هذه المرة ستنجح فيما فشلت فيه 5,500 عقوبة سابقة؟ لا شيء تقريبًا، سوى أن ترامب يخرج هذه المرة من حرب مباشرة كلّفت واشنطن وحلفاءها خسائر بشرية ومادية باهظة، ولم تُفضِ إلى الاستسلام الإيراني المنشود.

فالرئيس الذي فشل في “محو” إيران بالقوة المفرطة يراهن الآن على أن الحصار المالي المفرط سينجح حيث فشلت الصواريخ – وكأن المنطق الاستراتيجي الأمريكي عالق في حلقة مفرغة. جرّب القوة، فشلت؟ جرّب الحظر البحري. فشل الحظر؟ عاد لتجربة العقوبات للمرة الألف!

وهكذا دواليك منذ عهد كارتر وحتى اليوم، بينما الشعب الإيراني – كما يردد الإيرانيون أنفسهم بثقة تُثير حنق واشنطن أكثر مما تُقلقها – “سيأكل التراب” على أن يُسلّم قراره الوطني لإملاءات الخارج.

“خُلاصِه، أي الخلاصة كما يقول الايرانيون” أن من يعتقد أن الإجراء الأمريكي الجديد سيكون الاستثناء الذي يكسر قاعدة راسخة منذ نصف قرن تقريبًا، عليه أولاً أن يُفسّر لماذا فشلت النسخ الثماني السابقة من “العقوبات الاقتصادية غير المسبوقة” ذاتها.

وإلى أن يُقدّم أحد في واشنطن تفسيرًا مقنعًا لذلك، سيبقى “يوم الحسم” الأمريكي مجرد يوم آخر في تقويم طويل من الأيام التي وُعد فيها العالم بانهيار إيراني لم يأتِ، ولن يأتي.