الثلاثاء - 18 اغسطس 2026

مدرسة أمي (5) دستور الوقار ونضج الثمار حِكَمٌ ووصايا لمن بلغ العقد السابع من العمر..!

منذ ساعة واحدة
الثلاثاء - 18 اغسطس 2026

يرويها ويعدّها ولدها: القاضي د. حسن حسين الرصابي ||

 

 

من مذكرات: الشيخة الحافظة بخيتة بنت صالح الطائفي (رحمها الله).

1. مرحلة نضج الثمار وكمال الوعي
ليس العمرُ مجردَ سنواتٍ تتراكم في سجلّ الأيام، بل هو رحلةُ وعيٍ تراكمت فيها الخبرات، وصفا فيها الفكر، واكتملت معها رؤية الإنسان للحياة وأغوارها. وحين يجتاز المرءُ أبواب الستين، ليلج العقد السابع من عمره الميمون، يستشعر أنّ الزمان قد منحَهُ فرصة أثمن من أن تُبدّد في الجدل، وأرفع من أن تُستنزف في سفاسف الأمور؛ إنها مرحلة “نضج الثمار” واستخلاص الحكمة، حيث يصبح العيش بحبٍّ وسلامٍ ووقار واجباً يفرضه احترام المرء لذاته ولماضيه.
إنّ مَن بلغ هذا الشأو المتقدم من الحياة، يُدرك تماماً أنّه لم يعد بحاجةٍ لإثبات شيءٍ لأحد؛ فالأيام قد صهرت معدنه، والأعوام قد كتبت شهادتها. ومن هنا تبدأ معركة صامتة وراقية: ألا يغدو الإنسان حياً بالاسم فقط، بل أن يظل حياً بالروح، متوهجاً بالعطاء، مستمتعاً بما بقي من العمر في طاعةٍ وسكينة.
2. العناية بالذات وكرامة السن
إنّ أولى دعائم هذه المرحلة تبدأ من العناية بالذات؛ فالأناقة والحرص على النظافة وحسن المظهر ليست حسناً شبابياً فحسب، بل هي انعكاسٌ لجمال الروح وكرامة السنّ، وتعبيرٌ عن تقدير المرء لنفسه بعد رحلة العطاء الطويلة. وليست هذه العناية مقصورةً على الظاهر، بل تمتد إلى صحة الجسد عبر المشي المنتظم كرياضةٍ هادئة تجدد الدماء، دون إرهاقٍ ولا كَلَل.
وفي باب التعامل مع متطلبات الحياة، يجدر بالمرء ألا يبخل على نفسه بما أتاه الله، بل يمنح نفسه الأفضل والأنسب كما يفعل مع أبنائه وأحفاده، وينفق بوعيٍ واعتدال من ثمرة كدّه ليتمتع بحلال الطيبات في زمانه، متذكراً أن السعادة الحقيقية تكمن في البساطة وعدم التكلف، وتجنب الجري خلف صيحات الموضة التي لا تلائم وقار مرحلته.
3. السكينة النفسية وإغلاق منافذ التوتر
وعلى الصعيد النفسي والسلوكي، فإنّ العقد السابع يتطلب تسامياً عن الفضول والغضب؛ فلا داعي للانزعاج من تافه الأمور، ولا معنى للانشغال بما يقال في الغياب أو الحضور. إنها مرحلة “إغلاق منافذ التوتر”، والابتعاد عن صخب الأخبار المحبطة، وترك أبواب الحياة مفتوحة بعقلٍ متزن: يدخل من يدخل، ويخرج من يخرج، دون تعلقٍ مفرط أو حزنٍ على مغادر، مع اليقين التام بأن الاستناد الحقيقي لا يكون إلا على الله وحدّه.
4. إعمار الوقت وجمال التواصل الاجتماعي
ولأن الفراغ هو العدو الأول لصفاء الذهن، فإنّ إعمار الوقت بالقرآن الكريم، والقراءة النافعة، والاطلاع الثقافي الواعي، هو الزاد اليومي الذي يبقي العقل نضِراً. كما أن التواصل الاجتماعي العائلي وتفقد الأقارب والسؤال عنهم — حتى وإن قصروا — يُضفي على النفس دفئاً وراحة.
وإذا ما اتسعت مجالس الحديث مع الشباب، فمن الحكمة إدراك اختلاف الزمانين؛ فلا تباهي بماضٍ ولّى، ولا صدام مع أفكارهم، بل إنصاتٌ جمّ، وحديثٌ مختصر وممتع يبتعد عن إحراج أحد أو استرجاع مرارات الماضي ومصائبه.
5. الصبر على العوارض والتقرب إلى الله
أما في مواجهة العوارض الصحية التي تتسلل طبيعياً مع تقدم السن، فإن الشكوى لا تداوي المفاصل ولا تخفف الآلام، بل إن الصبر عليها، واحتسابها عند الله لتكفير الذنوب، يُضفي على صاحبها مهابةً وسكينة، خصوصاً مع الحرص على ما يبهج القلب ويبعد النفس عن مشاهد الفزع أو الكآبة.
> “إن التقرب إلى الله بالصدقة، والدعاء، وعمارة القلوب بالرضا، هو التاج الحقيقي لمن عبروا الستين.. فمن اقترب من ربّه ثقةً وتوكلاً، أشرقت في أيامه الباقية كلُّ معاني الجمال والسكينة.”
صاحبة الوصية والحكمة: الشيخة الحافظة / بخيتة بنت صالح الطائفي (رحمها الله)
جامع الوصية وراويها: ولدها / القاضي د. حسن حسين الرصابي