الثلاثاء - 18 اغسطس 2026

أربعين إمام المستضعفين.. إيران تجدّد العهد وتقول: لن ننحني..!

منذ ساعة واحدة
الثلاثاء - 18 اغسطس 2026

✍️ د. عبد الله علي هاشم الذارحي ||

 

 

 

لم يكن إحياء أربعين «إمام المستضعفين» الشهيد آية الله العظمى السيد علي الحسيني الخامنئي، في طهران وقم ومشهد، مجرد مراسم تأبين لقائد رحل، ولا مناسبة عاطفية لاستذكار شخصية دينية وسياسية بارزة؛فقد تحوّل إلى رسالة سياسية وشعبية واضحة، عنوانها: إن القائد قد يرحل شهيدًا، لكن النهج الذي أسسه لا يرحل، والمشروع الذي حمله لا يُدفن.

وفي العاصمة طهران، أُقيمت اليوم الثلاثاء مراسم إحياء أربعينية تشييع «إمام المستضعفين» في مصلّى الإمام الخميني، بحضور رئيس الجمهورية الدكتور مسعود بزشكيان وأبناء الإمام الشهيد، إلى جانب حشود واسعة من أبناء الشعب الإيراني.

بدأت المراسم بتلاوة آيات من القرآن الكريم بصوت السيد يونس شاهمرادي، في مشهد يحمل دلالة عميقة؛ فالقرآن الذي كان مصدر إلهام القائد الشهيد في مسيرته، كان حاضرًا في أربعينيته، وكأن الرسالة تقول إن الطريق الذي بدأ بالقرآن لا يتوقف برحيل صاحبه.

لكن المشهد الأبرز لم يكن في الكلمات وحدها، وإنما في صوت الجماهير.

«الموت لأمريكا.. الموت لإسرائيل.. هيهات منا الذلة»؛ هتافات صدحت بها حناجر المشاركين، لتؤكد أن أربعين الشهيد لم يتحول إلى مناسبة للحزن والانكفاء، بل إلى مناسبة لتجديد الموقف في مواجهة الاستكبار والاحتلال.

وهنا تكمن أهمية مراسم الأربعين.

ففي الثقافة الإسلامية، لا تعني الشهادة نهاية الطريق، وإنما بداية مرحلة جديدة من المسؤولية. ولذلك فإن إحياء ذكرى الشهيد يتحول إلى استفتاء شعبي على استمرار النهج، وإلى إعلان بأن دماء الشهداء لا تُستثمر في البكاء، وإنما في تثبيت المبادئ التي استشهدوا من أجلها.

وقد جاء إعلان مكتب قائد الثورة الإسلامية عن إقامة مراسم الأربعين في طهران اليوم، وقم غدًا، ومشهد بعد غدٍ، ليؤكد اتساع دائرة الوفاء للإمام الشهيد، حيث دُعي الشعب الإيراني إلى المشاركة الحاشدة، باعتبار الحضور تجديدًا للعهد والبيعة مع قيادة الثورة ومواصلة نهج «إمام المستضعفين».

من التشييع إلى الأربعين.. الحكاية لم تنتهِ

منذ تشييع القائد الشهيد، بدا واضحًا أن إيران لا تتعامل مع الشهادة باعتبارها لحظة انكسار، بل باعتبارها محطة لإعادة ترتيب الصفوف وتعزيز التماسك الداخلي.

وهذا ما عبّر عنه آية الله السيد مجتبى الحسيني الخامنئي في رسالته بمناسبة مرور أربعين يومًا على استشهاد والده، عندما تحدث عن شجرة الثورة التي تركها الشهيد وقد اشتد أصلها واتسعت أغصانها، مؤكدًا أهمية وحدة المجتمع الإيراني في مواجهة التحديات.

وهنا يظهر الفارق بين استشهاد القائد وسقوط المشروع.

فالقائد يمكن أن يُستهدف، ويمكن أن يرتقي شهيدًا، لكن الأفكار التي زرعها في أمة بأكملها لا يمكن اغتيالها بصاروخ أو مؤامرة أو حصار.

بل إن الشهادة، في كثير من الأحيان، تجعل الفكرة أكثر حضورًا، والرمز أكثر تأثيرًا، والجيل الجديد أكثر تمسكًا بالطريق.

«هيهات منا الذلة».. الرسالة التي تجاوزت حدود إيران

حين تهتف الجماهير الإيرانية: «هيهات منا الذلة»، فهي لا تستحضر شعارًا تاريخيًا فحسب، وإنما تستحضر جوهر المدرسة الحسينية التي ترى أن كرامة الأمة واستقلال قرارها لا يمكن أن يكونا محل مساومة.

وحين يقترن ذلك بهتاف «الموت لأمريكا» و«الموت لإسرائيل»، فإن الرسالة تصبح أكثر وضوحًا: الشهادة لم تغيّر بوصلة إيران.

بالتالي فإن الحضور الشعبي في مراسم الأربعين يوجّه رسالة إلى كل من راهن على أن استهداف القيادة سيؤدي إلى إرباك الداخل الإيراني أو تفكيك الموقف الشعبي: الرهان لم ينجح.

لقد تحولت مراسم الأربعين إلى مساحة لاستعراض التماسك الشعبي، وإلى مناسبة لإظهار أن المشروع الذي حمله الشهيد ما زال حاضرًا في الميادين والمساجد والجامعات والشارع الإيراني.

الانتقام.. ليس مجرد شعار

أما إعلان المشاركين استعدادهم للانتقام، فهو يعكس طبيعة المرحلة التي تعيشها إيران بعد استشهاد قائدها.

فالانتقام في الوعي الإسلامي ليس مجرد رد فعل عاطفي، وإنما يُفترض أن يكون مرتبطًا بالمسؤولية والصبر وحسابات القوة وموازين المعركة.

ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه القوى التي راهنت على إسقاط إيران باستهداف قيادتها، هو أن يتحول دم الشهيد إلى طاقة إضافية للدولة والمجتمع والقوات المسلحة ومحور الجهاد والمواجهة.

فالشهادة قد تُسقط جسد القائد، لكنها لا تسقط القضية.

والأربعين، في هذا السياق، ليس نهاية مأساة، وإنما بداية مرحلة جديدة من الوفاء والمسؤولية.

إيران تقول: القائد استشهد.. لكن الراية باقية

إن الصورة التي خرجت اليوم من مصلّى الإمام الخميني في طهران تختصر الكثير:

قرآن يُتلى، وجماهير تحضر، وشعارات ترتفع، وقيادة جديدة تقف أمام الشعب، وعائلة الشهيد في مقدمة المشهد.

إنها صورة تريد إيران من خلالها القول إن انتقال القيادة لا يعني انتقال المبادئ، وإن رحيل الإمام الشهيد لا يعني رحيل مشروعه.

ولذلك فإن مراسم الأربعين في طهران وقم ومشهد ليست مجرد استذكار للماضي، بل إعلان عن المستقبل.

مستقبل تقول فيه إيران إن دماء الشهداء ستظل حاضرة في صناعة القرار، وإن التهديد والاغتيال والحرب لن تفرض عليها الاستسلام، وإن شعار «هيهات منا الذلة» سيبقى حاضرًا في وعي أجيالها.

وهكذا يتحول الأربعين من موعد للحزن إلى موعد لتجديد العهد.

رحل إمام المستضعفين شهيدًا، لكن صوته ما زال حاضرًا في الساحات، ورايته ما زالت مرفوعة، والرسالة التي حملها ما زالت حيّة.

وإذا كان خصوم إيران قد ظنوا أن استهداف القائد سيُنهي الطريق، فإن مشهد طهران اليوم يقدّم جوابًا مختلفًا:

قد يرحل القائد.. لكن الأمة التي حملت مشروعه لا ترحل معه.