سيرة رجل بدأها بالصبر وختمها بالشهادة “الشهيد ياس خضر فياض مريوش الدبي”..!
زمزم العمران ||

قال تعالى في كتابه الكريم : (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ).
الشهداء العظماء ليسوا اسماء تُكتب في السجلات فحسب ، ولا صوراً تُعلق على الجدران ، أنهم أرواح نقية اختارها بارئها لتكتب بدمائها الزكية معنى الكرامة والعز والإباء، ولكل شهيد قصة كاملة من الشجاعة ،ووصية مفتوحة للأجيال بأن الدم الذي بذل في سبيل الحق لا يموت ،وان من يهب روحهُ لقضيته يبقى حياً في ضمير أبناء وطنه .
في بغداد، حيث ازدحمت الأزمنة بالقسوة و التحديات، ولد الشهيد ياس خضر فياض مريوش الدبي عام 1977،و نشأ في أسرةٍ صنعتها الحياة و أجبرتها الظروف القاهرة على مواجهة قسوة الأيام، أكمل ياس دراسته الابتدائية و المتوسطة، غير أن الظروف الصعبة التي مرت بها عائلته حالت دون مواصلة تعليمه، فتحمل مبكراً مسؤوليات الحياة، و أصبح المُعيل الوحيد لعائلة كبيرة قوامها ثمانية أفراد، ولم تكن معاناة الفقر وحدها ما يثقله، فقد كان مطارداً من قبل النظام البائد، يعيش بين مسؤولية الأسرة و ملاحقة السلطة، لكنه لم يسمح للخوف أن ينتزع منه إرادته ،وبعد سقوط النظام الصدامي، انتمى الشهيد منذ تأسيس حركة عصائب اهل الحق إلى صفوف المقاومة الإسلامية، واختار طريق المواجهة ضد الاحتلال الامريكي.
لم يكن حضوره في الميدان حضوراً عابراً بل شارك في عمليات نوعية استهدفت قواعد الاحتلال، ومنها قصف قواعده في الرشاد و الشماعية، فضلاً عن عمليات أخرى ألحق خلالها خسائر بجنود الاحتلال و آلياته ،كان ياس يدرك أن طريق المقاومة ليس طريقاً مفروشاً بالسلام، و أن من يختار الوقوف في وجه المحتل، قد يدفع أغلى ما يملك، ومع ذلك ظل ثابتاً، يحمل هم وطنه كما حمل هم أسرته، حتى جاءت اللحظة التي كتب فيها القدر خاتمة رحلته ،
في مدينة الصدر، في الرابع عشر من أيار عام 2006،ارتقى ياس خضر شهيداً وهو يقاوم الاحتلال الامريكي، لتتوقف رحلة رجلٍ بدأ حياته وهو يحمل مسؤولية ثمانية أفراد، وانتهت حياته وهو يحمل قضيةً آمن بها حتى آخر لحظة ،رحل ياس لكن صورته بقيت شاهدةً على جيل لم يقبل أن يعيش تحت ظلال الاحتلال، وعلى رجلٍ جمع بين مسؤولية الأب، وقسوة الحياة، وشجاعة المقاتل، فأختار أن يختم حياته واقفاً لا منحنياً.
بقي ياس خضر فياض مريوش الدبي حاضراً في ذاكرة من عرفوه، رجلاً حمل أسرته على كتفيه، وحمل وطنه في قلبه، ثم مضى شهيداً وهو يرفض أن تنحني قامته أمام المحتل ، فسلام عليه يوم ولد ويوم جاهد ويوم استشهد ويوم يُبعث حيا.




