الثلاثاء - 18 اغسطس 2026

حين تعجز الدولة عن بناء سوق… تهدم بسطة..!

منذ ساعة واحدة
الثلاثاء - 18 اغسطس 2026

زيد الحسن ||

 

 

 

هكذا تبنى البلدان لا بالجرافات التي تهدم ما صنعته الحاجة ، ولا بالقرارات التي تبدأ دائما من الحلقة الأضعف في المجتمع ، وإنما تبنى حين تخلق الدولة اقتصادا يوفر العمل ، ويصون الكرامة ويمنح المواطن بديلا حقيقيا ، قبل أن تطلب منه مغادرة المكان الذي احتمى به من الفقر .

في الأسواق الشعبية يقف أناس بسطاء لم يختاروا الرصيف حبا بالفوضى ، ولا رغبة في مخالفة القانون وإنما وجدوا فيه المساحة الوحيدة التي يستطيعون من خلالها تأمين قوت عائلاتهم ، فالبائع الذي يقف منذ سنوات خلف بسطته قد لا يملك وظيفة ولا محلا ، ولا رأسمالا يسمح له بالدخول إلى عالم التجارة المنظمة ، ولذلك أصبح الرصيف بالنسبة إليه أشبه بسوق صغير يعيش منه لا مكانا يتحدى فيه الدولة ، ونعم إن إشغال الرصيف تجاوز قانوني ينبغي معالجته لكن معالجة التجاوز لا تعني بالضرورة سحق مصدر الرزق ، فخلف كل بسطة قصة بيت وخلف كل عربة عائلة وخلف كل محل صغير إنسان اختار العمل حين لم يجد الدولة قادرة على توفير فرصة أخرى له .

لكن ماذا عن تجاوزات الدولة
إذا كانت الحكومة تريد أن تفتح ملف التجاوزات بكل شجاعة ، فعليها ألا تنظر إلى الشارع وحده فهناك تجاوزات أكبر لا تراها الجرافات ، ولا تظهر في سجلات البلدية ، فعدم توفير فرص العمل تجاوز على حق الإنسان في أن يعيش من جهده ، وغياب الكهرباء والماء المستقرين تجاوز على أبسط شروط الحياة ، وأزمة السكن تجاوز على حق المواطن في الاستقرار ، وانخفاض رواتب المتقاعدين وشريحة واسعة من الموظفين أمام ارتفاع الأسعار تجاوز على كرامة من أفنى عمره في خدمة الدولة ، فكيف يمكن أن نطلب من المواطن احترام النظام بينما يشعر أن النظام نفسه لم يوفر له أبسط مقومات الحياة .

لا أحد يرفض تنظيم المدن وإزالة التجاوزات فالشارع ملك للجميع والرصيف حق للمارة ، والأسواق تحتاج إلى نظام لكن الدولة التي تفكر بعقل الإصلاح لا تبدأ بإزالة البسطات قبل أن تهيئ البدائل ، فلتفتح الحكومة أسواقا شعبية منظمة في الأحياء ، ولتمنح أصحاب البسطات أماكن بديلة بإيجارات معقولة ، ولتمنحهم تراخيص واضحة ولتوفر لهم الخدمات الأساسية ، حتى يتحول المتجاوز إلى صاحب عمل قانوني بدلا من أن يتحول بعد ساعات الإزالة إلى عاطل جديد يبحث عن قوت يومه ، فإذا كان الهدف هو تنظيم المدينة فليكن التنظيم انتقالا من الفوضى إلى النظام ، لا انتقالا من العمل إلى البطالة .

من السهل جدا أن تكون الدولة قوية أمام بائع لا يملك سوى عربة صغيرة ، ومن السهل أن تتحرك الآليات الثقيلة لإخلاء سوق شعبي خلال ساعات ، لكن القوة الحقيقية تظهر عندما تواجه الحكومة أسباب الفقر والبطالة ، وتعيد بناء الاقتصاد وتخلق فرص العمل ، وتوفر الخدمات وتفتح أبواب الاستثمار أمام المواطن البسيط ، فالدولة لا تقاس بقدرتها على إخلاء الرصيف ، وإنما بقدرتها على جعل المواطن لا يحتاج إلى احتلال الرصيف أصلا .

إذا كانت الحكومة تريد إزالة التجاوزات فلتبدأ بتجاوزاتها هي ، أولا ولتسأل عن المواطن الذي لا يجد عملا ، وعن المتقاعد الذي لا يكفي راتبه ، وعن الأسرة التي تعيش تحت رحمة المولدات ، وعن الشاب الذي أمضى سنوات يبحث عن وظيفة وعن العائلة التي عجزت عن امتلاك بيت ، وعن المواطن الذي يدفع ثمن خدمات يفترض أن تكون من أبسط واجبات الدولة فهذه الملفات ليست أقل أهمية من بسطة على الرصيف ، بل هي أصل المشكلة وجذرها وعندما تعالج الحكومة هذه الجذور فإن كثيرا من التجاوزات ستسقط من تلقاء نفسها .

نظموا الأسواق وأزيلوا التجاوزات ولكن لا تجعلوا القانون طريقا إلى تجويع الفقير ، ابنوا السوق قبل أن تهدموا البسطة ، وافتحوا باب العمل قبل أن تغلقوا باب الرزق لأن الدولة التي تهدم مصدر عيش المواطن دون أن تمنحه بديلا لا تبني مدينة منظمة ، وإنما تنقل الفقر من الرصيف إلى البيوت .

يبدو أن الحكومة اكتشفت أخيرا سر نهضة الأمم ، وهو أن أسرع طريق إلى الإصلاح يبدأ من بسطة بائع الفلافل ، وينتهي بعربة بائع الخضار ، ولذلك لا داعي لإزعاجها بملفات البطالة والكهرباء والماء والسكن والرواتب ، ولا داعي لسؤالها عن الأسواق البديلة فهذه كلها قضايا تحتاج إلى اقتصاد وخطط ووقت ، أما البسطة فحلها أسهل بكثير جرافة واحدة تكفي ، وهكذا نستطيع أن نعلن للعالم أننا انتصرنا على التجاوزات بعد معركة بطولية لم نخسر فيها سوى قوت يوم فقير .

ما أقسى أن يتحول الوطن الذي أحببناه إلى مكان نشعر فيه بالغربة ونحن نراه يضيق على الفقير كلما اتسعت فيه مساحات الظلم ،
وما أوجع أن يصل الإنسان إلى لحظة لا يكره فيها وطنه ، بل يكره كل ما جعل الوطن غريباً عن قلبه .