الأحد - 16 اغسطس 2026
الأحد - 16 اغسطس 2026

د. مسعود ناجي إدريس ||

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم
أيها الأحبة الكرام…
عندما نتحدث عن بناء المجتمع المنتظر، فإن أول مؤسسة ينبغي أن نلتفت إليها هي الأسرة.
فالأسرة ليست فقط مكاناً يعيش فيه الإنسان، بل هي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها قيمه، وطريقة تفكيره، ونظرته إلى الحياة.
فالطفل قبل أن يعرف المجتمع، يعرف أسرته.
وقبل أن يتأثر بالأفكار المنتشرة حوله، يتأثر بالكلمات والمواقف التي يراها في بيته.
ولهذا فإن بناء جيل يحمل ثقافة الانتظار يبدأ من بناء أسرة تحمل هذه القيم.
أيها الأحبة…
إن الانتظار ليس فكرة نزرعها في أذهان الأبناء فقط، بل هو روح يعيشونها في حياتهم اليومية.
فالطفل الذي يرى الرحمة في بيته، يتعلم معنى الرحمة.
والطفل الذي يرى الصدق، يتعلم قيمة الصدق.
والطفل الذي يرى المسؤولية، يتعلم أن يكون إنساناً مسؤولاً.
ولهذا فإن التربية العملية أبلغ من الكلام.
قال الله سبحانه وتعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾
(سورة التحريم، الآية ٦)
فالله سبحانه وتعالى يوجه الإنسان إلى مسؤولية الاهتمام بنفسه وأهله، لأن الأسرة أمانة ومسؤولية.
أيها الأحبة…
من الأخطاء التي قد تحدث أن يظن البعض أن تربية الأبناء على الانتظار تعني فقط تعليمهم بعض المعلومات عن الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف).
ولا شك أن المعرفة مهمة، ولكن التربية أوسع من المعلومات.
فالمطلوب أن يتعلم الأبناء معنى الإيمان.
ومعنى الصبر.
ومعنى نصرة الحق.
ومعنى أن يكون الإنسان نافعاً للآخرين.
لأن المجتمع الذي ينتظر العدل يحتاج إلى أبناء تربوا على العدل منذ الصغر.
أيها الأحبة…
الأسرة التي تريد أن تربي جيلاً منتظراً تحتاج إلى أن تجعل القيم الدينية حاضرة في حياتها.
ليس فقط في المناسبات.
بل في التعامل اليومي.
في طريقة الحوار.
في حل المشكلات.
في احترام الآخرين.
في تحمل المسؤولية.
فالأبناء لا يتعلمون فقط مما نقوله لهم، بل مما يرونه في أفعالنا.
أيها الأحبة…
من أهم أدوار الأسرة أن تبني علاقة صحيحة بين الأبناء والدين.
فلا تجعل الدين مجرد أوامر ثقيلة، بل تعرفهم على جمال القرب من الله.
تجعلهم يشعرون أن الإيمان مصدر قوة وطمأنينة ومسؤولية.
لأن الإنسان عندما يحب الطريق الذي يسير فيه، يكون أكثر قدرة على الثبات عليه.
أيها الأحبة…
إن الأسرة المنتظرة لا تربي أبناءها على الانعزال عن المجتمع.
بل تعلمهم أن يكونوا عناصر خير وإصلاح.
تعلمهم احترام الناس.
وخدمة الآخرين.
والتعامل بأخلاق.
والبحث عن العلم.
لأن الإنسان الذي يحمل رسالة كبيرة يحتاج إلى شخصية متوازنة.
أيها الأحبة…
في زماننا اليوم، تواجه الأسرة تحديات كثيرة.
هناك أفكار كثيرة تصل إلى الأبناء من مصادر مختلفة.
وهناك مؤثرات قد تغير طريقة التفكير والقيم.
ولهذا فإن دور الأسرة أصبح أكثر أهمية.
فهي التي تمنح الأبناء الهوية والوعي والقدرة على الاختيار.
أيها الأحبة…
إن بناء الجيل المنتظر لا يبدأ عندما يكبر الأبناء، بل يبدأ من السنوات الأولى.
من كلمة طيبة.
من قدوة صالحة.
من بيت يعيش فيه الإيمان بشكل عملي.
فالطفل الذي ينشأ في بيت يعرف معنى الرحمة والصدق والمسؤولية، سيكون أكثر قدرة على حمل رسالة الخير في المستقبل.
أيها الأحبة…
علينا أن نسأل أنفسنا:
هل بيوتنا تصنع جيلاً محباً للحق؟
هل يرى أبناؤنا فينا القيم التي نتحدث عنها؟
هل نقدم لهم صورة جميلة عن الدين والإيمان؟
لأن الأسرة هي البذرة الأولى، وإذا صلحت البذرة كان الثمر صالحاً بإذن الله.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يصلح أسرنا، وأن يجعل بيوتنا أماكن للإيمان والتربية الصالحة، وأن يوفقنا لتربية جيل واعٍ يحمل قيم الإسلام والانتظار الحقيقي لحضرة صاحب الزمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف).
والحمد لله رب العالمين.